حذر العلماء من محاولة البعض تشويه صورة العلماء أو العمل على إسقاط الرموز، ومؤكدين أن هذا العمل يؤدي إلى زعزعة الثقة فيهم.

الدكتور أحمد كريمة - أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر أكد أنه من المعروف تاريخياً أن الأنبياء عليهم السلام ومن يقوم مقامهم من دعوة الخلق إلى عبادة الله الواحد القهار والبعد عن المحرمات والامتثال لأوامره يحاربون بالمكائد وتدبير المؤامرات ضدهم بغرض النيل من الإسلام، وليس بغرض النيل من شخصهم لقول الله تعالى (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين).

ولفت كريمة في هذا الصدد إلى أن محاولات الإسقاط قديمة وليست جديدة والشواهد على ذلك عديدة ابتداء من سيدنا نوح عليه السلام مرورا بجميع الأنبياء انتهاء بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأكثر الأنبياء الذين حاول قومهم إسقاطهم هم سيدنا موسى عليه السلام فبسببه قتل فرعون 70 ألف طفل لكي لا يضمن ظهور نبي يهدد عرشه إلا أن أمر الله كان غالباً، كما أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لاقى جميع أنواع العذاب من أهله لكي يمنعوه من الاستمرار في دعوته، فضربوه حتى سال الدم من قدميه الشريفتين، وسبوه بأبشع الألفاظ، وعاملوه بأسوأ معاملة، وعندما قرروا قتله أمره الله بالهجرة لتنتشر الدعوة الإسلامية عبر العالم أجمع.

والأمر لم يقتصر على صحابة الرسول فقط، فهناك العديد من التابعين أيضا الذين لاقوا نفس المصير، ومنهم الإمام أبوحنيفة النعماني الذي تم جلده حينما رفض بعض الأمور القضائية، وكذلك الإمام مالك حينما تم الوشاية به لدى بعض الحكام، وأيضا الإمام أحمد بن حنبل بسبب تعصب بعض الحكام في مسألة خلق القرآن.

وخلص كريمه أن الهجوم على الإسلام يتمثل في رموزه وعلمائه البارزين لأنهم أكثر مصداقية عند الشعوب من غيرهم، موضحا أن البعض يستغل حدوث بعض الخلافات بين العلماء أو إصدار بعض الفتاوى المتضاربة، مع الجهل بأن سبب اختلافهم رحمة، ليقوم بتشويه صورة هؤلاء العلماء بما يؤدي إلى حدوث حالة تفكك داخل المجتمعات الإسلامية،.

ويتفق معه في الرأي الدكتور منيع عبد الحليم - أستاذ التفسير وعلوم القرآن وعميد كلية أصول الدين الأسبق الذي أكد أن الهدف من ذلك هو الإساءة للإسلام وبيان أنه دين يدعو إلى الإرهاب والقتل ويستخدمون جميع الوسائل لتحقيق ذلك، ولكن هذه الوسائل تختلف من عصر لآخر، ومن دولة لأخرى ففي الماضي تم اتهام الأنبياء بالسحر كما حدث مع سيدنا موسى والجنون كما حدث مع سيدنا عيسى والكذب كما حدث مع سيدنا محمد صلوات الله عليهم جميعا، وذلك بهدف التشهير بهم أمام الذين اتبعهم، وعندما عجزوا عن ذلك انتهجوا طرقا أخرى، كإخراجهم من ديارهم، أو قتلهم، أو طلب أشياء منهم ليست في استطاعة البشر الإتيان بها، أما الآن فتغيرت هذه الوسائل نظرا لاختلاف العصور، وتتمثل هذه الأساليب في الهجوم على العلماء، وإلصاق تقارير مزورة بهم وسوء فهم لتصرفاتهم وجهل بما يصدر عنهم، والبحث في حياتهم الشخصية ومحاولة الإساءة للمقربين منهم، واتهامهم بأنهم علماء للسلطة والسلاطين وغير ذلك من الأمور الأخرى. مشيرا إلى أن الوسيلة الأكثر فعالية للإساءة إلى هؤلاء والنيل منهم وإسقاطهم تكون من خلال الإذاعات والقنوات الفضائية، وذلك لانتشارها بين عامة الناس ومشاهدتها من قبل الجميع.

أضاف عبدالحليم أن هذه الأساليب الحديثة غالبا ما تنجح في النيل من العلماء، ولكن ليس على سبيل الهجوم فهناك الكثير من العلماء نجوا من مثل هذه المؤامرات، بعكس الأساليب التي كانت تستخدم في الماضي التي غالبا ما كانت سببا في نصرة أهله كما حدثت مع جميع الأنبياء.

أما المفكر الإسلامي الدكتور عبدالعزيز قاسم فقد أكد أن هناك فرقاً بين محاولات إسقاط الرموز وانتقادهم، فالأمر الأول محرم والثاني مشروع، ولكن بشرط أن نبين مدى فضل هؤلاء العلماء، ولكنهم أخطأوا في بعض الأمور ونحن نريد مراجعتهم في هذا الأمر وتوضيح حقيقته.

مطالبا الطلاب الذين تربوا على أيد هؤلاء العلماء الوقوف بجانبهم ومساعدتهم لتخطي مثل هذه المحن، وألا يقفوا بجوار العدو ومساعدته في النيل من هؤلاء العلماء، وليس معنى ذلك مجاراتهم في الخطأ، ولكن مساعدتهم على تصويب ذلك، ومعرفة لماذا القدوم على هذا الأمر.

وأضاف عبدالعزيز أن هناك بعض العلماء لديهم أخطاء بالفعل، وذلك لأنهم لم يحيطوا بالمتغيرات الدولية، خصوصا بعد أحداث 11سبتمبر، وما زالوا يتحدثون ويعلمون تلاميذهم بعقلية ما قبل التسعينات، وهذا خطأ لديهم فيجب عليهم متابعة كل جديد، وليس معنى ذلك أن محاولة إسقاطهم أو النيل منهم أمر صحيح.

وأوضح أن الأمور تغيرت عن الماضي وأصبح العلماء تحت مجهر الإعلام الغربي وهناك منظمات متخصصة تقوم بتسجيل محاضرات وندوات العلماء لمحاولة التشكيك بما جاء فيها، ولذلك يجب عليهم عندما يتحدثون ويدينون يعلموا أن هناك من يرصد أقوالهم، وليس معنى ذلك السكوت عن بيان أحكام الله في بعض المسائل الفقهية وغيرها، ولكن يجب أن يدعموا آراءهم بالمواثيق والأدلة حتى يخرسوا الألسنة.

وطالب قاسم أن يتم تخصيص قنوات إعلامية لهؤلاء العلماء يدافعوا من خلالها عن أنفسهم، وعن الدين الإسلامي، وفي حالة عدم حدوث ذلك سوف تتسع الفجوة بينهم وبين غيرهم، وسوف تستمر محاولات النيل منهم، وهذا ما ينذر بحدوث كارثة مستقبلية.

أما الدكتور عبدالله ربيع - أستاذ أصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية فقد أكد أن سبب الهجوم على هؤلاء يرجع لمحاولة إلصاق الإرهاب بالإسلام والمسلمين، ولذلك فالعلماء هم رموز هذا الدين ومحاولة التشهير بهم هدفها الرئيسي التشهير بالإسلام.

غير أن ربيع طالب العلماء بعدم الاستسلام لمثل هذه المخططات، والابتعاد عن الشبهات التي تسيء إليهم، وبناء علاقة ودية بينهم وبين جمهور المتعاملين معهم، والتعامل مع كل شيء بالحكمة والموعظة الحسنة، وتقبل الانتقادات بصدر رحب والرد عليها بطرق علمية وترك باقي الأمر لله تعالى لقوله تعالى(إن الله يدافع عن الذين آمنوا).

وأضاف أن القادة يقع عليهم دور كبير لحماية العلماء عن طريق وجود حصانة لهم مثلهم مثل القضاة تماما ومحاسبة كل من يسيء إليهم، والعمل على التنسيق بينهم فيما يخص الفتاوى العامة حتى لا تخرج فتاوى متضاربة تسيء إلى الدين الإسلامي قبل أن تسيء إليهم شخصيا، لافتا إلى أن المجتمع يقع عليه دور أيضا في هذا الأمر، وذلك عن طريق تقدير هؤلاء العلماء واحترامهم، وأيضا تعليم أولادهم هذه القيم وبيان مكانة العلماء، وأنهم ورثة الأنبياء، كما أن المدرسة والجامعة يقع عليهما دور في هذا الأمر من خلال وجود كتب تدرس لبيان فضل هؤلاء العلماء.