يتوهم البعض أن الطفل لا يدرك ولا يفهم ما يدور حوله، بينما هذا الكيان الصغير في الأسرة يعيش بينها كأنه مسجل لكل ما يرى ويسمع فينطبع على صفحة إدراكه كل ما يدور حوله، ومن أجل ذلك وجب الحذر من الخطأ السلوكي أمام عينه أو في حضرته، فمثلا لا يجب أن يكذب أحد أمام الطفل فينطبع الكذب على صفحة كيانه، ويشعر أنه من أمور الحياة التلقائية والتي لا حرج فيها، فيتعود الطفل على الكذب بلا حياء، لأن التربية بالقدوة العملية من أعظم أنواع التربية.

ومن أجل ذلك روى عبد الله بن عامر قال: جاء رسول الله ؟ صلى الله عليه وسلم ؟ إلى بيتنا وأنا صبي صغير، فذهبت لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله، تعالى حتى أعطيك، فقال صلى الله عليه وسلم: «وما أردت أن تعطيه» قالت: تمرا، فقال: «أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة»..!!

وهكذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يريد ممن يتعامل مع الطفل أن يكلمه بالصدق، فلا يتكلم بخلاف الواقع، وإنما لابد أن تتطابق الكلمات مع الواقع، فلا يحدث عنده ازدواج في ملكة التلقي ويتخالف المنطوق مع المدلول..!!

ويمكن للوالد أو الوالدة أن تحبب الولد في الصدق، وتنفره من الكذب بعد أن تكون الوالدة أو يكون الوالد أيضا ابتعد نهائيا عن مقارفة الكذب، لأن الكذب خيانة وغش، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق، وأنت له كاذب».. غير أن الطفل كما يتأثر جدا بالصورة المرئية، كذلك بتأثر بالموعظة الهادئة الراشدة، مما يستوجب أن تهتم الأم والجدة أو الأب والجد، بأسلوب محبب يحكي عن فضل الصدق، ونجاة الصادقين.

وعن شناعة الكذب وعاقبة الكاذبين، ويذكر من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما يحبب الصدق إليه، ويبغض إليه الكذب، لاسيما والنبي صلى الله عليه وسلم شهد له الأعداء قبل الأصدقاء بأنه ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، وإنما كان معروفا بالصدق لدى العامة والخاصة حتى إذا أراد أن يمزح، كان لا يقول إلا الحق، وثراء سيرته بشواهد الصدق التي حفلت بها حياته تفوق الحصر..!!

ولقد كنا في الماضي ننسب الأطفال عموما إلى الصدق والبراءة، غير أننا اليوم بكل أسف أصبحنا نرى ونشهد سهولة ويسر الكذب على لسان الأطفال، وما كان هذا التحول ليحدث إلا لبعد الناس عن الآداب الإسلامية والهدي الإسلامي في تربية الأطفال، بينما أجدادنا كان عملهم وشغلهم الشاغل، إعداد الأبناء لمستقبلهم رجالا صادقين ونساء صادقات.

وهذا امام من أئمة التصوف وهو عبد القادر الجيلاني في مرحلة صباه بدأ أمره وبناه على الصدق، فحينما قررت أمه أن ترسله لطلب العلم في حاضرة العلم يومها بغداد، وأعطته أربعين دينارا، إعانة له على ذلك، فخرج من مكة مع قافلة من القوافل، يريد بغداد، وحينما كان في همدان، خرج جماعة من اللصوص وقطاع الطرق على القافلة، وأخذوا ما في القافلة، ومر على الصبي أحد اللصوص فسأله عما معه.

فقال: أربعون دينارا، فظن أنه يسخر به، ومر عليه غيره وسأله نفس السؤال فقال: أربعون دينارا، فأخذه إلى كبيرهم، الذي سأله فقال: أربعون دينارا، فقال الكبير: ما حملك على الصدق؟ فقال: عاهدتني أمي على الصدق، وأخشى أن أخون عهدها، فصرخ الرجل وقطع ثوبه وقال: تخشى أن تخون عهد أمك وأنا لا أخشى أن أخون عهد ربي؟!

أنا من الآن تائب على يديك ونادم على ما كان مني، وأمر بالأربعين دينارا أن ترد إليه وكذلك جميع ما أخذوه من القافلة، فإذا باللصوص جميعا يقولون كنت كبيرنا في قطع الطريق، فلتكن كبيرنا أيضا في التوبة إلى الله، وتابوا جميعا ببركة صدق الغلام.

بقلم: على عيد