أعز الإسلام المرأة وكرمها وأنصفها وأعطاها من الحقوق مثل ما عليها من الواجبات، وأوصى الرجل بها خيراً، بوصفها شقيقته في المعتقدات والعبادات والمعاملات، وتربية النشء وصنع الأجيال وتعمير الأرض واستمرار الحياة...
وقد ذكر الله المرأة في كتابه الكريم مرات كثيرة وحدثنا عنها سبحانه وتعالى في مراحل عدة وفي هذه الزاوية نتناول بعون الله كافة النساء اللاتي جاء ذكرهن في القرآن الكريم. يقول تعالى: «وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ». يخاطب الله سبحانه وتعالى «أم موسى» عليه السلام التي أنجبت كليم الله ونبيه، يخاطبها في النص القرآني بصفة الأمومة التي كرمها بها الله سبحانه وتعالى فلم يكن وليدها مولودا عاديا بل كان نبيا مرسلا. وقد كان أتباع فرعون مصر وجنوده في ذلك الزمان يخشون من نبوءة كهان ذلك العصر بأن ملك فرعون سوف ينتهي ملكه على يد مولود من بني إسرائيل لذلك أمر الطاغية الجبار ووزيره هامان وجنوده بأن يقتلا كل مولود جديد إذا تبين أنه ذكر ولما قل عدد رجال بني إسرائيل وكانوا هم العمال والخدام فأشارت حاشية فرعون عليه أن يجعل عاما للسماح يترك فيه المواليد ثم يقتلون في العام الذي يليه وهكذا..
وولدت السيدة يوكابد هارون ابنها في عام السماح ثم جاء من بعده مباشرة حمل جديد وكانت يوكابد او ام هارون تعلم أن العام القادم هو عام قتل المواليد فخافت على الجنين الذي في أحشائها واتفقت هي وابنتها الكبرى على إخفاء أمر حملها وكانت البنت لأمها خير معين وأمينة السر فخبأت أمر حملها وتولت هي شراء الحاجات من الخارج ولازمت يوكابد المنزل ولم تكن تخرج إلا بالملابس الفضفاضة الواسعة التي لا تتكشف شيء وعن امر حملها...
وقبيل الموعد المحدد لولادة الأم الصابرة بدأت الأم تستعد لهذا الحدث وقلبها يرتجف من شدة الخوف أن يراها أحد عيون الطاغية فرعون وساعدتها ابنتها على ولادة طفلها دون صوت ولا إزعاج.. وتمت ولادة الطفل بسلام وبدأ مرحلة جديدة في حياة هذا الطفل الوليد وأمه فقد أوحى الله سبحانه وتعالى إلى تلك الأم الصابرة المحتسبة بوحي الالهام لا بوحي النبوة، وجاء وحي الله لهذه الأم في آية معجزة من آيات القرآن الكريم ويقول ابن عباس عن هذه الآية انها جمعت بدائع الايجاز والاعجاز فيقول تعالى:
«وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ»
فقد جمعت هذه الآية بين «أمرين، ونهيين وخبرين، وبشارتين».
أما الأمرين فهما (أرضعيه، وألقيه) وأما النهيين فهما (لاتخافي، ولاحزني) وأما الخبرين فهما (أوحينا وخفت)
وأما البشارتان: (إنا رادوه إليك) البشارة الاولى، (وجاعلوه من المرسلين) البشارة الثانية فما أروع إعجاز القرآن الكريم.
وعندما أرضعت أم موسى ولدها وأطاعت أمر ربها وألقته في صندوق به ثقوب حتى يتنافس وصل الصندوق إلى قصر فرعون وحاشيته فالتقطته حاشية فرعون وأوصلوه الى السيدة آسيا التي بحثت له عن المراضع فرفض كل المرضعات إلا ثدي أمه الحنون التي اطاعت أمر ربها وتحملت فراق وليدها الحبيب وكاد قلبها أن ينفطر حزنا لولا أن ربط الله على قلبها.. لتكون من المؤمنين.. وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى:
«وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون المؤمنين» القصص 11
وتأتي النتيجة الطبيعية لهذه السيدة المؤمنة ويقول لها النص القرآني: «فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ».
حقا إن وعد الله حق لكل من أطاع أمره وتجنب نواهيه حتى وإن بدت لنا بعلمنا القاصر وفهمنا المحدود أنها أوامر قد تبدو صعبة لنا إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل لنا الخير كل الخير في إتباع ما أمر واجتناب ما نهى.
أخت موسى
يقول تعالى «وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ»،
اختلف العلماء والمفسرون في اسم أخت سيدنا موسى عليه السلام.. فمنهم من يقول ان اسمها مريم بنت عمران وان السيدة مريم العذراء سميت على اسمها لأنهم قديما كانوا يسمون على اسماء الصالحين منهم، ومن العلماء من يذكر لنا أن اسمها «كلثم» وأيا إن كان اسمها فهي «أخت موسى» تلك الفتاة البارة بأمها المؤمنة التي وقفت بجوار أمها حينما وضعت وليدها وكانت لأمها العين البصيرة وصاحبة البصر الثاقب التي لم تغفل عن أخيها لحظة واحدة حينما التقطه آل فرعون..
وكانت أخت موسى كما يتضح من سيرتها فتاة ذكية مؤمنة مطيعة على قدر عال من الإيمان والذكاء فبإيمانها استطاعت أن تثبت أمام حاشية فرعون ولم تفضح أمرها، وبذكائها استطاعت أن ترشد الوليد إلى أمه مرة أخرى بأن أخبرتهم بأنها على علم بمكان مرضعة لوليدهم.
وقد ظلت أخت موسى تتبع أُثر اخيها الساعات الطوال فالتزمت جانب الحكمة، وأخذت بالاسباب، واستعانت بالله على تحقيق مطلبها كما هو شأن المتوكلين فلم تغفل لحظة عن الامانة التي حملتها أمها إياها وانطلقت تتبع أثر اخيها الوليد لتعلم خبره عن بعد بحيث اتخذت لها جانبا من جوانب القصر بعيدا عن الشك والتتهمة، فبصرت به وعرفت أن امرأة فرعون جاءت له بمرضعات كثيرات، فحرمهن الله عليه فلم يتناول ثدي واحدة منهن.
وهنا تدخلت تنصح لهم فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يحسنون كفالته ويكرمون مثواه ويقومون بشأنه كله خير قيام، فقبلوا منها هذا النصح بعد أن استوثقوا من صدقها، وأيقنوا أنها لاتعرف الوليد وليس لها به صلة، فدلتهم على أمه، فأرسلوا إليها وهم لا يشعرون بأنها أمه، وقدموا لها الوليد لترضعه.
فتناول ثديها ورضع منه بسهولة ويسر، ففرحوا بذلك فرحا شديدا.. وقالت امرأة فرعون لها أسكني معنا في القصر لترضع هذا الوليد الوضيء فاعتذرت بأنها لا تستطيع أن تعيش معهم في هذا القصر لأن لها زوجا وأبناء.. وطلبت الأم أن تستبقي الوليد في بيتها لترضعه فأجلسوه معها واغدقوا عليها.
وعاش الوليد مع أمه في أمن ورخاء ترعاه بحنانها ولبنها وعاش مع أخته ترعاه ببصيرتها وذكائها وحسن صنيعها وهكذا شب موسى الوليد في أسرته حتى استوى عوده فقرت به عين الأم صغيرا وكبيرا ونعمت بصحبته وذلك بفضل نعمة الله عز وجل.
نموذج للابنة البارة
بفضل هذه الأخت الحنونة التي أطاعت أمر أمها وحرصت على إرضاء ربها.. أخت موسى هنا هي نموذج للابنة البارة والأخت الحنون التي تساهم في سعادة أسرتها وتبذل من اجل هذه الأسرة كل ما استطاعت من جهد وعزيمة فسلام على أم موسى التي ربت هذه الفتاة وعلى أخت موسى، وعلى سيدنا موسى عليه السلام.
إعداد ـ جيهان محمود

