في عام 2000 وبالتحديد ليلة 25 ديسمبر عندما كان العالم الغربي يحتفل بمولد المسيح عليه السلام وقف الرئيس الأميركي بيل كلينتون ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير يعلنان على العالم أهم نبأ في تاريخ الطب وهو التوصل إلى الخارطة الجينية الكاملة بالنسبة إلى جسم الإنسان المعروفة باسم الـ (DNA) وهذا يعني أن البحوث حول الـ (DNA) والتي بدأت في عام 1951 قد تكللت أخيراً بالنجاح وأن ملايين الشيفرات قد تم حلها ما يبشر بعالم جديد يمكن من خلاله إيجاد الدواء للكثير من الأمراض المستعصية إضافة إلى حل عشرات الآلاف من القضايا العالقة في المحاكم ومراكز الشرطة.
ومن ضمن الشيفرات التي تم التوصل إليها هو أن الإنسان عندما يولد لا توجد لديه غريزة الجريمة أي لا توجد هناك جينات محفزة للجريمة في دماغه عندما يولد بعكس غرائز أخرى من غريزة الطعام والنوم.. الخ.
ظروف قاسية
حاولت أن أقدم بهذه العبارات لأقول بأن العلم أثبت بأن الإنسان لا يولد مجرماً وإنما يدفع في كثير من الأحيان إلى الجريمة دفعاً وغالبا ما تكون الظروف القاسية هي السبب وراء ذلك.
ففي أحد الأيام اتصل بي الضابط المناوب وطلب مني أن أحضر جلسة التحقيق مع إحدى الفتيات.
عندما وصلت إلى المكتب وجدت فتاة هادئة ترتشف الشاي المضاف إليه القليل من الحليب، كانت تبلغ نحو عشرين عاماً، طويلة القامة نحيفة الجسم شعرها طويل أسود وعلى وجهها مسحة من جمال طبيعي، قلت في نفسي لو أن هذه الفتاة من عائلة ميسورة لكانت بطلة أفلام في بلادها.
سألت الضابط عن قصتها فأخبرني بأنها قتلت طفلاً رضيعاً لا يزيد عمره على (9) أشهر حيث خنقته بوضع قطعة قماش على فمه وأنفه، قلت له هذه جريمة لا تغتفر فلماذا تقتل طفلا بريئا ليس له أي ذنب، فقال لم نبدأ التحقيق بعد ولا نعرف من هو القاتل حتى الآن ولكن والدة الطفل عندما عادت من عملها ذهبت لترضع ابنها الذي كان نائما وعندما أرادت أن توقظه وجدته ميتاً فراودها الشك بأن الخادمة قد تكون خنقته لأنها وجدت عيني الطفل جاحظتين ولونه كله أزرق ويميل إلى السواد، لذا اتصلت بالشرطة واتهمت الخادمة التي تجلس هناك بأنها هي السبب.
وأضاف الضابط عندما سألت الخادمة أنكرت ذلك وقالت بأنها أطعمت الطفل وجبته المعتادة ثم أدخلته سريره لينام ولا تدري ماذا حدث له بعد ذلك.
قلت للضابط علينا أن ننتظر تقرير الطبيب، حيث تم تحويل جثة الطفل إلى المختبر الجنائي، بعد نحو ثلاث ساعات جاء تقرير المختبر الجنائي ليقول إن الطفل مات خنقاً وأن ازرقاق جسمه يعود إلى أن الدم لم يحصل على حاجته من الأوكسجين وأن القضية قضية جنائية حيث مات الطفل بفعل فاعل.
بعد أن تسلم الضابط التقرير أصبح واضحاً أن هناك شخصاً قام بقتل الطفل وأن الخادمة هي المتهم الأول في ذلك.
بعد الأسئلة التقليدية مثل العمر والجنسية ومتى حضرت وكم لك من الوقت.. إلخ، جاء السؤال الأهم وهو لماذا قتلت هذا الطفل، لكن الخادمة قالت بصوت هادئ وكله ثقة بأنها لم تقتله، فهي تحبه جداً وهي تتألم لموته، عندها سألها الضابط من الذي قتله إذاً، هل هناك شخص آخر يدخل البيت في غياب أهله وأنت على علاقة به، قد يكون هو الفاعل، لكن الخادمة أجابت بالنفي، فهي لا تدري كيف حدث هذا، وأنها كانت وحدها في البيت، هنا قال لها الضابط عليك أن تعترفي بالحقيقة لأنه لا فائدة من الإنكار فكل الشواهد ضدك وأنت وحدك تتحملين تبعات هذه الجريمة.
استدعاء والدة الطفل
تم استدعاء والدة الطفل التي قالت بأن خادمتها تعيش معها منذ فترة ليست قصيرة وأنها كانت ممتازة في كل شيء ولا تدري لماذا قامت بقتل الطفل، قال الضابط ربما يكون شخصاً آخر هو الذي قام بهذه الجريمة، لكن السيدة قالت بأنه لا يوجد في البيت إلا هي وزوجها، وأخويّ زوجها الاثنين وجميعهم يحبون الطفل أكثر من أنفسهم.
قال لها الضابط لماذا أخوي زوجك يعيشان معك في البيت، فقالت: لأن أهل زوجها يعيشون في منطقة بعيدة وأن أخويه الاثنين يعيشان معها في ذات البيت لأنهما طالبان في الجامعة، حيث يبقيان في البيت طوال أيام الدراسة وفي نهاية الأسبوع يذهبان إلى بيت والدهما ثم يعودان في بداية الأسبوع للدراسة، وهكذا.
سألها الضباط: هل تشكين بأن أحدهما قد يكون فعل ذلك، فأجابت بأن هذا مستحيل، فليس هناك أي سبب يدفعهما لذلك، بل على العكس فهما يحبان الطفل حباً لا مثيل له.
تم استدعاء الشابين اللذين أنكرا أية صلة بينهما وبين هذه الجريمة، بل طلبا من الضابط أن يتأكد من وجودهما في الجامعة يوم ارتكاب الجريمة.
هنا أصبح لا مجال للشك بأن الخادمة هي التي ارتكبت الجريمة، أو أن إنساناً آخر دخل البيت وقتل الطفل وقد يكون هذا الشخص صديقاً للخادمة، وحدث بينهما شجار فأراد أن ينتقم من الخادمة فقام بقتل الطفل.
تم استجواب الخادمة من جديد لكنها رفضت الاعتراف بأي شيء، فقد أصرت على أنها لا تعرف شيئاً، ورغم أساليب التهديد والوعيد إلا أنها بقيت مصرة على موقفها.
قرر الضابط إدخال الخادمة إلى السجن لكنه قبل ذلك أدخل (عميلة) من ذات جنسية الخادمة إلى السجن أيضاً، كما طلب من عميلتين أخريين أن تفتعلا مشكلة مع الخادمة بعد دخولها بقليل وهنا تقوم العميلة الرئيسية بالتدخل لصالح الخادمة، ثم تأتي مأمورة السجن وتأخذ العميلتين إلى السجن الانفرادي وتبقى العميلة الرئيسية مع الخادمة لتعرف منها حقيقة الأمر دون أن تعرف الخادمة شخصية السجينة التي معها.
تم عمل السيناريو كما هو متفق عليه ولهذا أصبحت الخادمة تثق ب(العميلة) التي أنقذتها من شرور السجينتين.
بدأت العملية تروي للخادمة كيف دخلت السجن، حيث أخبرتها بأنها كانت تعاني الكثير عند بيت مخدومها، حيث كان يقيدها ثم يستبيح جسدها، لذا قررت أن تتخلص منه حيث غافلته وهو نائم وضربته على وجهه بزجاجة هشمت وجهه، أنهت العميلة قصتها ولم تنتظر من الخادمة أن تقول هي الأخرى قصتها بل قالت لها أريد أن أذهب لأنام، وإن ضايقتك أية سجينة فلا تترددي في إيقاظي لأنني سأنال منها، فأنت الآن في حمايتي، فنحن ننتمي إلى ذات المكان.
شعرت الخادمة بأنها أصبحت إلى حد كبير في مأمن لذا قالت (للعميلة) أريد أن أطلعك على أمر، فردت (العميلة) بدون اكتراث لا أريد أن أسمع قصتك لأنني أعرفها فأنت سرقت ذهباً من بيت السيدة التي تعملين عندها، فردت الخادمة قائمة... لا بل قتلت طفلاً لا يزيد عمره على أشهر عدة.
أرادت العميلة أن تستفزها، فقالت لها أنت تكذبين فلا يمكن لفتاة مثلك أن تقتل، فقالت الخادمة (للعميلة) بل قتلت طفلاً وأرجوك أن تسمعي قصتي. بدأت الخادمة تروي قصتها ولم تكن تعرف بأن العميلة تحمل جهاز تسجيل تحت ثيابها، حيث تم تسجيل كل شيء، بعد أن انتهت الخادمة من رواية قصتها خرجت (العميلة) لتسلم جهاز التسجيل إلى الضابط.
الاعتراف
تم استدعاء الخادمة من جديد، وقبل أن يبدأ الضابط التحقيق معها طلب منها أن تسمع شريط اعترافها، حيث أخبرها بأن الفتاة التي كانت معها هي (عميلة) للشرطة، وبما أنها اعترفت (للعميلة) فلا فائدة من الإنكار.
أصاب الضابط الخادمة بصدمة أفقدها اتزانها، لذا استغل الضابط فترة الصدمة هذه وبدأ يضغط عليها كي تعترف، وأخيراً بدأت تتكلم.
قالت الخادمة جئت من بيئة فقيرة وكنت آمل أن أحقق الاستقرار المادي لأسرتي، وأضافت لقد دفعت الكثير حتى أحصل على هذه الوظيفة فقد باع زوجي البقرات الثلاث حتى أحصل على هذه الوظيفة ثم اضطر والدي أن يبيع فيلاً صغيراً حتى جمعنا ما يكفي من المال لإعطائه لوكالة التوظيف التي وفرت لي الوظيفة وتذكرة السفر.
وأضافت عندما وصلت إلى بيت السيدة استقبلتني بكل حفاوة وترحيب حتى نسيت غربتي، ولكن بعد مضي أقل من ثلاثة أيام بدأ زوجها يتودد لي وعندما رفضت هددني بأنه سيعيدني إلى حيث أتيت.
كان مجرد هذا التهديد يثير الرعب في أوصالي كلها، فكيف أعود إلى أهلي وزوجي بدون مال بعد أن باع زوجي كل ما يملك وهي بقراته الثلاث وباع أبي أعز ما لديه وهو فيله الصغير.
لذا رضخت لرغبات صاحب البيت حتى أصبح يدخل غرفتي أكثر مما يدخل غرفة زوجته.
وأضافت: لكن الأمر تغير كثيراً عندما جاء أخوي صاحب البيت وسكنا معنا، حيث أصبح كل واحد منهم يريدني لنفسه، وعندما أرفض كنت أسمع نفس التهديد وهو أنك ستعودين إلى بلادك. وقالت: حاولت أن أكلم صاحبة البيت ولكن خشيت إن فعلت أن تقوم بطردي خوفاً على زوجها، لذا آثرت الصمت وقبلت بكل شيء، حتى أصبح الأمر جحيماً لي، فقد أصبحت زوجة لثلاثة إخوة، رغم أنني حاولت أن أرجوهم أن يبتعدوا عني، إلا أنهم رفضوا.
وأخيراً حدث ما لم يكن متوقعاً، حيث شعرت بأعراض الحمل وبدأت بطني تكبر، وهنا قلت لكل واحد منهم عليك أن تتحمل مسؤولية ما في بطني رغم أنني لا أعرف أيهم والده الحقيقي.
وأضافت: إن طالبي الجامعة قررا أن يسويا الأمر، فأخذاني إلى عجوز آسيوية حيث أخرجت الجنين بيدها من دون بنج، وعندها أُصبت بإغماء ونزف شديد.
وقالت الخادمة: عدت إلى البيت في حالة يرثى لها، ومع ذلك كانوا يطلبون مني أن أقوم بكل أعمال البيت، وكنت أفعل ما يطلب مني دون أن يكون لي حق الاعتراض أو حتى طلب وقت قصير للراحة كي أضمد جراحي.
الانتقام
وواصلت الخادمة اعترافها قائلة: كنت سأقبل بكل شيء على أمل أن أبقى في عملي حتى أجمع المال الذي خسرته أسرتي من أجلي، لكنني تفاجأت بأن زوج السيدة وأخويه أصبحوا يعاملونني بجفاء وأنهم يريدون أن يتخلصوا مني ويعيدونني إلى بلادي.
وهنا قلت لهم جميعاً بأنه لا مانع عندي من أن أعود ولكن يجب أن تعوضوني ثمن البقرات الثلاث والفيل الصغير وتذاكر السفر وزيادة، فليس من المعقول أن آخذ منكم ثمن البقرات الثلاث والفيل الصغير فقط، لأن هذه الحيوانات كانت لديّ قبل أن آتي، لذا يجب أن تعوضونني بمبلغ أكبر، عندها لا مانع عندي من أن أعود إلى بلادي، إلا أن الرجل والد الطفل قال إنه لن يدفع لي إلا تذكرة السفر وشهراً مقدماً، وإذا حاولت الرفض أو البوح بما حدث، فإنه سيبلغ الشرطة وسيضعني في السجن، وعندها لن آخذ دولاراً واحداً.
وأضافت: لقد اسودت الدنيا في عينيّ فأنا أعرف ماذا سيحدث لي إن لم أعد لزوجي ووالدي بثمن البقرات الثلاث والفيل الصغير، لذا قررت أن أنتقم منهم جميعاً ولم يكن أمامي سوى قتل الطفل لأنني أعرف مدى تعلقهم جميعاً به.
حيث إن موته سيسبب صدمة وآلاماً لهم كلهم، لذا قمت بما قمت به انتقاماً لمالي الذي ضاع ولجسدي الذي استباحوه كالوحوش وانتقاماً للطفل الذي مات من دون ذنب على يد عجوز آسيوية لا تعرف الشفقة أو الرحمة.
وقّعت الخادمة على اعترافها وعادت إلى السجن انتظاراً لنقلها إلى المحكمة. طلب الضابط من أحد أفراد الشرطة أن يحضر الطالبين الجامعيين، حيث اعترفا بعلاقاتهما مع الخادمة، وأرشدا إلى العجوز الآسيوية التي اعترفت بما قامت به، حيث أرشدت إلى المكان الذي وضعت فيه الجنين.
ومن خلال التحقيق معها اعترفت بأن هذا عاشر جنين تقوم بوضعه في التراب خلف بيتها، تم تحويل العجوز إلى المحكمة، في حين نظر الضابط إلى الإخوة الثلاثة وقال لهم: أنتم أيضاً مشتركون في جريمة قتل الطفل وفي مواقعة امرأة وحملها منكم سفاحاً. نظرت إلى الضابط وقلت له وفقاً لشيفرة ال(DNA) فإن الإنسان لا يولد مجرماً، ولكنه في كثير من الأحيان يدفع إلى الجريمة دفعاً.
إعداد: أحمد سلطان
