أحدثت الأزمة المالية العالمية هزة في المذهب الرأسمالي المنتشر في أميركا وأوروبا مذكرة بالكساد العظيم الذي وقع في الثلاثينات من القرن الماضي. وكانت أزمة الرهن العقاري هي العامل المفجر للأزمة والتي أسفرت عن إفلاس عشرات البنوك والشركات الكبرى مخلفة خسائر اقتصادية تقدر بأكثر من تريليون دولار، والتي امتدت آثارها لتشمل معظم دول العالم.

فيما تداعت هذه الدول بطرح خطط اقتصادية ومالية لمعالجة الأزمة وضخ مليارات الدولارات في الأسواق لتوفير السيولة المالية ومنعها من الانهيار. وحدة الدراسات في صحيفة البيان تعقد ندوة بعنوان «الأزمة المالية العالمية وتداعياتها العربية» شارك فيها نخبة من الأكاديميين والاقتصاديين ورجال الأعمال والمحللين الماليين لمناقشة ما تشهده الأسواق المالية العالمية من تراجعات وخسائر حادة ومدى تأثير هذه الأزمة على الأسواق الخليجية والعربية وسبل الخروج من هذه الأزمة وذلك وفق المحاور التالية:

المحور الأول: نظرة موضوعية تحليلية لواقع الأزمة الاقتصادية العالمية وحجمها ومعرفة أسبابها الحقيقية. المحور الثاني: خطط الخروج من الأزمة الاقتصادية ومدى القدرة على وقف التدهور المالي.

المحور الثالث: الإجراءات الوقائية الإماراتية لتحصين الاقتصاد والأسواق ضد الأزمة المالية العالمية. المحور الرابع: انعكاسات الأزمة العالمية على الاقتصاد في الدول والأسواق الخليجية والعربية وكيفية تجنيبها المخاطر السلبية وبناء اقتصاد عربي مستقل.

في الحلقة الأولى حلل المشاركون في الندوة أسباب وقوع الأزمة المالية واجمعوا على ضرورة معالجة الخلل وإيجاد نظام مالي واقتصادي جديد وفي الحلقة الثانية قال المشاركون في الندوة ان الخطط الدولية التي تم طرحها للخروج من الأزمة الاقتصادية لا تكفي وانها لا تحل كل القضايا المالية والاقتصادية فالمشكلة تقتضي الأخذ بمبادئ جديدة غير تلك التي يستند إليها النظام الاقتصادي الرأسمالي وفي هذه الحلقة الأخيرة من الندوة نتطرق لما طرحته دولة الإمارات العربية من إجراءات لمنع امتداد الأزمة إلى الأسواق الإماراتية وكذلك أشار المشاركون للعبر التي علينا استخلاصها من الأزمة الحالية حتى لا تتكرر مرة أخرى وبشكل اخطر واشد وطأة من الأزمة الحالية، وتاليا التفاصيل:

ــ د. احمد سيف بالحصا: أولا فان الإجراءات التي اتخذتها قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة وحكومتها إجراءات ممتازة جدا ومن الملاحظ ان الإمارات كانت ثالث دولة على مستوى العالم وأول دولة على مستوى المنطقة الخليجية تتخذ مثل هذه الخطوات وهذا يرجع لإدراك القيادة الإماراتية للقضايا التي تدور سواء على المستوى العالمي أو العربي ونحن نبارك هذه الإجراءات. ومن المهم ان نتحدث عن مستقبل هذه القضية، فبالنسبة لمدى تأثر الأسواق الإماراتية بهذه المشكلة فانا أتصور انه علينا ان ننظر للقضية من جانبين: الأول، فيما إذا كنا نصدر لأميركا وإذا ما كان فيها ركود فنحن ليس لدينا ذلك الحجم الكبير من الصادرات لأميركا كالصين مثلا.

والجانب الثاني هو مدى ما لنا من استثمارات في أميركا، فاعتقد ان البنوك أو المؤسسات المالية التي تأثرت بالأزمة هي تلك المؤسسات التي لها استثمارات كبيرة في أميركا وأوروبا، لكن بالنسبة لنا فبعد فترة من مرور الأزمة وتغير نفسية المستثمرين سوف تتدفق السيولة بكثرة على الإمارات لان وضعها الاقتصادي جيد وهناك ضمانات على الودائع المحلية والأجنبية والسوق مشجع للاستثمار واعتقد انه بعد الأزمة ستكون النتائج ايجابية ورب ضارة نافعة. ونحن ننظر إلى ضرورة اخذ الطابع الاقتصادي لاستثماراتنا وودائعنا في الخارج ويجب ان لا نخضع للضغوط الخارجية وعلينا ان ننظر إلى مصالحنا في هذا المجال.

اما بالنسبة لتأثير الأزمة العالمية على أوضاعنا المالية في الإمارات فاعتقد ان التأثير سيكون نسبيا وبسيطا فيما يتعلق بودائعنا الموجودة في أميركا وأوروبا كما ان أسواقنا لا خلل فيها، والضرر الذي سيلحق بها لن يكون بحجم الضرر الذي أصاب الأسواق الأميركية والأوروبية.

وبعد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في الإمارات من المفروض ان يتم عقد اجتماعات خليجية لوزراء المال والاقتصاد ومحافظي البنوك المركزية حتى يتم خلق مركزية تفكير مشترك لتدارس الأزمة وسبل الخروج منها، وعلى المستوى المحلي علينا إعادة النظر في النظام المصرفي ومنح القروض بأسرع وقت ممكن وان يكون هناك توازن في الاقتصاد سواء في الإقراض أو التنمية، وان تقوم الشركات بعمليات اندماج فيما بينها وان تقوم الحكومة بالتخطيط والإشراف والمتابعة لعمل الشركات، والتفكير في إنشاء شركات عامة في مجالات أخرى كالخدمات والسياحة وتوزيع مجالات الاستثمار في التكنولوجيا والبتروكيماويات حتى يتم تنويع مجال أنشطة اقتصادنا.

ــ سالم الموسى: لو نظرنا إلى الاقتصاد بشكل عام في دولة الإمارات العربية المتحدة لرأينا انه لا ينقسم بالطريقة التي نجدها في اقتصادات العالم لان الاقتصاد عامة له شقان حكومي وقطاع خاص وجانب التصنيع والتصدير ففي الإمارات لو أزحنا تصدير البترول جانبا لأصبح ميزاننا التجاري في اضعف تصور وإذا ما جمعنا التصدير إلى الخارج مع تصدير البترول فان العائد يصبح كبيرا .

وبالتالي نقول ان ميزاننا التجاري صحي ولكن هذا غير صحيح وما ذكره الدكتور بالحصا حول التنوع الاقتصادي صحيح فنحن كذلك سوق للدول الصناعية والدول الصناعية الكبرى ترفض ان ندخل في صناعات تنافسها وقد حصل هذا سابقا ومثال ذلك تصدير المنتجات البترولية التي نقوم بتصنيعها فنحن دولة تفتقر إلى المواد الصناعية الأولية وعلينا تطوير الطاقات البشرية الموجودة عندنا كما عملت سويسرا التي لا تملك شيئا ولكن شعبها تعلم كيفية استغلال طاقته البشرية، فمن باب أولى ان نقوم بإنشاء صناعات تحويلية متكاملة حتى نزيح البترول شيئا فشيئا عن ميزاننا التجاري.

وما أريد ان أؤكد عليه هنا هو القانون والتشريع لبناء الاقتصاد والكوادر الوطنية وتنظيم مهنة العمالة الأجنبية وإنشاء مراقبة حاسمة وقوية تستطيع إعطاء المعلومات بكل شفافية وعمل وقاية سابقة لكل المشكلات التي قد تحصل، وهذا ما يعرف بالصيانة الواقية لجميع الشرائح الاقتصادية في البلد بالإضافة لعدم التسييس وان تكون المجالس تنفيذية لا تشريعية وان نقف ان جانب الحكومة ضد الشائعات التي قد تنتشر في الأسواق.

ــ د.محمد العسومي: بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة في تنفيذ الإجراءات التي اتخذها قادة الإمارات مؤخرا ولكن من المهم بالإضافة إلى ذلك ان يكون هناك دور مجتمعي بحيث يتم على الأقل إجراء تقييم لموقع الدولة من الأزمة ومدى تأثرها وهنا ارغب في التركيز على دور الإعلام الاقتصادي والذي نفتقده ولا نرى دورا إعلاميا للدولة.

بحيث يتم القضاء على الإشاعات وعدم تسرب المعلومات المغلوطة والتي لا أساس لها خصوصا واننا لا نجد أي تأثير للأزمة العالمية على اقتصادنا المزدهر، ومن الضرورة هنا تعزيز الإجراءات التي تتعلق ببث روح الوعي والمفاهيم الصحيحة لان هذا يؤدي إلى ايجاد نوع من الحصانة للاقتصاد المحلي ونحمي أسواقنا ومؤسساتنا المالية.

ــ محمد علي ياسين: اثني على القراءات التي اتخذها رئيس الدولة ونائبه فهي قرارات ممتازة عالجت المخاوف التي ظهرت عند بعض الأفراد خصوصا وانه لا يوجد داخل الدولة ما يستدعي هذا الخوف وكانت عملية ضمان الودائع خطة سباقة لدولة الإمارات، والنقطة الهامة الثانية بعد بث الطمأنينة هي ان السيولة موجودة في البنوك المحلية لكن المشكلة ان الخوف من قيام البنوك بإقراض هذه السيولة لأفراد أو مؤسسات أو بنوك أخرى.

وقد يكون على هذه البنوك مخاطرة داخل الدولة وخارجها وما حدث مؤخرا هو ضمان ودائع الأفراد والمطلوب الآن ان تعود هذه البنوك لسياسة الإقراض السليم في القطاعات الاقتصادية خصوصا بعد ضخ 150 مليار درهم لان عجلة الاقتصاد لن تدور ما لم تدور عمليات الإقراض، والقرار الآخر المهم هو استثناء الحكومة الشركات المساهمة من الشروط الموضوعة لشراء أسهمها وما يجب ان يلي ذلك هو ان تقوم الهيئة بجمع الشركات المساهمة الرئيسية ومعرفة ما يلزمها من تعديلات في القانون لتفعيل هذا القرار.

ــ جمال سعيد بن ثاني:الوقاية خير من العلاج والوقاية هي السيطرة على التضخم ومحاربته والتضخم يكون بسبب الغلاء وعندما نقوم بعمل مشاريع ضخمة علينا فتح الباب لقدوم المواد الخام بكميات كبيرة، من ناحية ثانية فان التأثير النفسي مهم جدا لذلك يجب تعزيز الثقة وتخفيض سعر الفائدة وان تعطي البنوك الشركات أسعارا مخفضة حتى تحقق الشركات أرباحا فوق 4%، ومن المعروف انك إذا أعطيت أي شخص أو بنك القوة ليحتكر فانه سيحتكر.

وخلاصة القول انني لا أخاف من الأزمات فهي هوايتي وانتظرها بالسنوات فهي الفرص وأغنياء العالم يقدمون على الشراء في الأزمات سواء كانت طبيعية أو مختلقة وانا سعيد جدا بأنني لأول مرة اشتري من شركات عربية والخيارات أمامي عديدة، فالازمات هي وقت الاستثمار طويل الأمد وهي التي تصنع الثروات.

ــ د.محمد العسومي: أعتقد ان الأزمات دورية في النظام الرأسمالي ولكن تختلف حدتها بين أزمة وأخرى وبين كل فترة وأخرى هناك أزمة سواء نفطية أو اقتصادية وبالتالي إذا أردنا الاستفادة علينا ان نكون دائما مستعدين لمثل هذه الأزمات بان يكون عندنا جهات مختصة بإدارة الأزمات ولكن لحد الآن لا يوجد عندنا إدارات كالتي في الغرب وتقوم بمعرفة أسباب الأزمات وتحليل أبعادها ووضع الحلول لها ونأمل ان تكون الأزمة الحالية هي البداية لتكون عندنا مثل هذه الأجهزة التي تستطيع التعامل مع الأزمات وتعرف أسبابها ومسبباتها وبذلك نستطيع ان نقلل من الآثار السلبية التي تترتب على هذه الأزمات في اقتصاد بلدنا.

ــ محمد علي ياسين:هناك مثل يقول «الضربة التي لا تقتلني تقويني» واعتقد انه علينا ان نستفيد مما حصل لانها تعتبر أزمة تاريخية عالمية ولم يتوقع احد ان ينهار النظام المالي العالمي الذي نسير عليه بالطريقة التي انهار فيها والكل اعتقد ان هناك ضوابط وتشريعات ورقابة تحكمه.

وفي اعتقادي اننا في أسواق الإمارات خاصة والأسواق الخليجية عامة أمام فرصة تاريخية ليست فقط في مجال الأسواق المالية وخلق الثروات كما أشار إلى ذلك الأستاذ جمال فهناك سيولة تحرق أو تتبخر ولكن هناك ثروات تتكون في المقابل ومن لديه الجرأة والقدرة والفائض المالي والمدى الاستثماري الطويل هو أمام فرصة تاريخية، ونحن في دول الخليج العربية نستطيع الآن في ظل التشريعات التي اتخذتها الإمارات والتي يجب ان تتبعها الدول الخليجية في ضمان الودائع ستصبح المنطقة جهة مستقطبة للسيولة.

وبالتالي إذا تم معالجة هذه الأمور وتحريك هذه السيولة عن طريق البنوك وحسن إدارة البنوك لهذه السيولة نستطيع في اعتقادي العام القادم عندما يكون العالم في ركود وكساد ان تستمر عندنا عملية النمو الاقتصادي ونحقق الازدهار ولكن مع عملية تقوية للتشريعات الموجودة حاليا ومعالجة السلبيات التي ظهرت وتنظيم عمل البنوك بعدم التشجيع على عمليات الإفراط في الإقراض، واعتقد ان العقار جزء مهم من الاقتصاد الوطني ولذلك يجب خلق أدوات أو وضع ودائع طويلة الأجل في شركات الاستثمار العقاري حتى تستطيع الإقراض.

ــ سالم الموسى:المثل الذي يقول «مصائب قوم عند قوم فوائد» ينطبق علينا فنحن حقيقة محظوظون بقيادتنا وشعبنا ويجب ان نتعلم مما يدور حولنا في العالم لأننا جزء لا يتجزأ منه وخاصة في عصر العولمة فهي ليست عولمة اقتصادية فقط وإنما سياسية واجتماعية وإعلامية أيضاً وعلينا ان نعي ما يدور حولنا فبقيادتنا الرشيدة ننظر إلى العالم ونحن مطمئنين وكلنا ثقة بموقف الحكومة التي وقفت إلى جانبنا وعلينا بدورنا ان نقف بجانبها ونمد لها يد العون وان ننبه إلى ما يدور ولا نسمح بالغلط وان نستفيد من هذه الأزمة العالمية.

ــ د.احمد سيف بالحصا: أتصور ان الإجراءات التي اتخذتها دولة الإمارات لا بد ان نشكر القيادة عليها ولكن علينا مراجعة النظام المصرفي في الدولة وخاصة فيما يتعلق بقضايا الإقراض ونسب الفائدة. واعتقد اننا سنشهد عودة لكثير من رؤوس الأموال الموجودة في الخارج لانه عندنا ضمان على الودائع وبالتالي فان على الجهات المختصة كل في مكانه ان يخلق المناخ المناسب لهذه الاستثمارات وخلق الفرص للمستثمرين في جوانب عدة وان لا يكون التركيز فقط على قطاع واحد بعينه. وأتصور ان علينا أخيراً مراجعة التشريعات والإسراع في إصدار قانون الشركات المعدل الجديد وكذلك قانون الاستثمار الذي هو تحت الإصدار وهذا بالإضافة لمعالجة التشريعات المالية والمصرفية ستعطي دولة الإمارات قوة ومكانة لاستقطاب الاستثمارات الخارجية ويعزز الثقة في اقتصاد الإمارات في مجال أسواقها المالية.

ــ د.روضة المطوع: من نافلة القول ان الدول الخليجية والعربية ليست بعيدة عما يجري حولها في العالم وذلك بسبب:

ــ كوننا نعيش في اقتصاد معولم،

ــ تراجع أسعار النفط،

ــ الاستثمارات الخليجية الخارجية موجودة في معظم دول العالم الصناعية.

ان المعضلة الكبرى التي سيكون أثرها بالغا وكبيرا على اقتصادات دول الخليج في حال تراجع أسعار النفط هي المشاريع التنموية التي تمثل عمود النمو الاقتصادي للدول والشركات، ففي حال عدم توفر السيولة النقدية اللازمة ستكون النتائج سلبية جدا على القطاع الخاص والاقتصاد الوطني بشكل عام، مما سينعكس سلبا على اداء الأسواق المالية. من جانب آخر فهناك تاثير واضح لهذه الأزمة الاقتصادية العالمية على الفوائض المالية الخليجية المستثمرة لشراء حصص في شركات وبنوك أوروبية ويابانية وأميركية.

حيث انخفضت أسعار أسهم كثيرة منها عن مستويات الأسعار التي تم شراؤها بها نتيجة لتواضع أداء الكثير من هذه الشركات والمؤسسات المالية وقلة ما حققته من أرباح. وفي هذا خسارة مالية فعلية، ناهيك عن الشركات المعرضة للانهيار والإفلاس التي ستبدد الأموال التي تم استثمارها بها.

ــ د.محمد المطوع: أشكركم جميعا للمشاركة في إثراء موضوع الأزمة الاقتصادية العالمية، واعتقد انه آن الأوان لدول مجلس التعاون ليجتمع وزراء الاقتصاد والمال فيها لإنشاء وخلق هيئة لإدارة الأزمات حتى تعالجها وتضع لها الحلول المناسبة.

المشاركون في الندوة

ــ د. احمد سيف بالحصا - رجل أعمال ورئيس جمعية المقاولين الإماراتيين

جمال سعيد بن ثاني - رجل أعمال

ــ د.محمد العسومي - خبير اقتصادي

ــ سالم احمد الموسى - الرئيس التنفيذي لمجموعة فالكون سيتي

ــ د. روضة المطوع - رئيسة مجلس إدارة سيدات الأعمال ـ أبوظبي

ــ محمد علي ياسين - الرئيس التنفيذي لشركة شعاع للأوراق المالية.

أدار الندوة:

ــ ا.د. محمد المطوع

تحرير وإعداد:

ــ موسى ابوعيد