في ظل حالات التوتر والقلق المترتبة على النزاعات المنتشرة في أرجاء عديدة على امتداد المنطقة العربية، تزداد بالقطع اهمية وضرورة العمل من جانب كل الاطراف على الالتزام بواحد من اهم مبادئ العلاقات بين الدول والشعوب وهو مبدأ حسن الجوار.
ومع الوضع في الاعتبار أن حسن الجوار هو احد مبادئ التعامل التي يحث عليها الدين الاسلامي، فانه ايضا احد المبادئ الراسخة في العرف والقانون الدوليين، باعتبار انه السبيل الذي لا غنى عنه من اجل أن تشعر الدول والشعوب المتجاورة والمشتركة مع بعضها البعض في الحدود - ايا كانت طبيعتها أو اشكالها او امتداداتها - بالامان والاستقرار وبالثقة المتبادلة كذلك ، بل أن حسن الجوار هو امر لا غنى عنه ايضا لتنشط وتتسع وتزدهر العلاقات بين الدول والشعوب المتجاورة في مختلف المجالات، وبمايعود عليها جميعها بالخير والرفاهية في حاضرها ومستقبلها.
وفي هذا الاطار فان القيام بأية اعمال او نشاطات او تحركات او اجراءات تؤثر او قد تؤثر على علاقات حسن الجوار لايمكن ان يخدم او يعزز المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول المتجاورة، سواء كانت شقيقة او صديقة. ليس فقط لان كل جانب ينظر، او قد ينظر الى تحركات او انشطة او اعمال او اجراءات الجانب الاخر على انها تتعارض مع مصالحه او قد تعرضها لخطر ما، ولكن ايضا لان المناطق الحدودية هي دوما مناطق ذات حساسية عالية لكل الاطراف، ومن ثم فانها تحتاج دوما إلى الكثير من الحذر، وبعد النظر، والقدرة على ضبط النفس، من اجل عدم اتاحة الفرصة لتصعيد هنا أو تدهور هناك قد يحدث فقط نتيجة لمواقف الفعل ورد الفعل.
وفي ظل ماهو معروف من أن الحدود المشتركة تفرض بطبيعتها التزامات متبادلة لحمايتها وتأمينها وللحيلولة دون انتهاكها على اي نحو او بأية وسائل او تحت اية ظروف، وهو ماتؤكد عليه مبادئ القانون الدولي وقواعد المنظمات الدولية دون استثناء، فانه من الطبيعة أن تثير الغارة التي شنتها مروحيات امريكية ضد احد المباني في منطقة البوكمال داخل الاراضي السورية يوم الاحد الماضي الكثير من القلق، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة الان وما قد تشهده في الفترة القادمة من تطورات تكاد تكون مفتوحة على كل الاحتمالات.
ومع التأكيد على اهمية وضرورة الالتزام باحترام سيادة ووحدة اراضي الدول المختلفة وتجنب انتهاكها على اي نحو، لا من خلال غارات جوية ولا من خلال اية سبل اخرى للتسلل او التهريب او تسهيل العبور لعناصر معينة تضر بأمن الطرف الاخر او غيرها، فان توسيع نطاق العمليات العسكرية في العراق على اي نحو لايمكن الا أن يزيد من التوتر في المنطقة، وهو ما لاتحتاجه دول وشعوب المنطقة خاصة في هذه الفترة.
ومع الوضع في الاعتبار ما اعلن من جانب مصادر عراقية وامريكية بشأن تسلل مسلحين إلى العراق عبر الحدود السورية - كمحاولة لتبرير الغارة - فانه بعيدا عن اية تبريرات على هذا الجانب او ذاك، ومع عدم التقليل ايضامن حجم ما قامت وتقوم به سوريا لحماية حدودها ومنع عمليات التسلل عبرها إلى العراق، فانه من المهم بل والضروري أن تكون هناك جهود منسقة ومشتركة قدر الامكان بين بغداد ودمشق من اجل حماية الحدود المشتركة بينهما، ومن اجل وقف اي صورة من صور انتهاك سيادة او اراضي اي منهما، وبالتالي الحيلولة عمليا دون امكانية توسيع نطاق العمليات العسكرية بأية صورة وتحت أية ظروف.
ومع التأكيد على أن ذلك سيخدم مصالحهما المشتركة والمتبادلة ويعزز حسن الجوار بينهما، فإنه سيتيح كذلك المزيد من فرص تطوير العلاقات ليس فقط بين دمشق وبغداد، ولكن ايضا بين دمشق وواشنطن، خاصة وأن سوريا اكدت من قبل على اهمية المشاركة الاميركية في محادثات السلام غير المباشرة مع اسرائيل التي تجري برعاية تركية.
