بعينين دامعتين، وملامح وجه تعلوه الصدمة أسرعت الخطى نحو الحمام الخاص بالموظفات في الشركة، وبيد مرتجفة أخذت تمر بأصابعها على الهالات الداكنة حول عينيها والتي كانت تراها لأول مرة.. هل هي بداية النهاية؟ سألت نفسها، ثم أردفت قائلة: لا.. لا فما حصل هو من قبيل المصادفة ليس إلا.

كما أن هذا الموظف الجديد الذي تعمد إهمالها والجلوس إلى زميلتهما الجديدة يتسم بأنه ثقيل الظل، كما يبدو أنه معقد لجهة التعامل مع المرأة، ثم قامت بإصلاح زينتها وعادت مجدداً لتجلس على مكتبها وتراقب الوضع عن كثب مبدية عدم اهتمام بما يجري أمامها فيما السنة لهب النار المشتعلة داخلها تكاد تُرى من قبل المحيطين بها، فها هو نفسه وبعد أن تجاهل دعوتها الودية لتبادل الحديث يستغرق في حوار طويل مشفوع بالكثير من الابتسامات مع زميلتها..

ما الذي حدث.. هل تراجعت مقدرتك على اجتذاب الآخرين؟

ليس الأمر على هذا النحو، ولكن في بعض الأحيان هناك أشخاص متخلفون اجتماعياً مثله لم يعجبه التعامل إلا مع من هي في مستواه.

ألا ترين أن العمر قد تقدم بك ولم تعودي تمتلكين مواصفات تتيح لك إغواء الآخرين كما كنت تفعلين ذلك دائماً.

أرجوك لا تأت على ذكر السن، فأنا لم أتجاوز الثالثة والثلاثين بعد.

يبدو أن الزمن قد توقف لديك أعواماً طويلة عند هذا الرقم، متى سيتحرك قليلاً؟

بغضب: أترغبين أن أقاطعك كما الآخرين؟

إلى هذا الحد لا تحتملين مواجهة الحقيقة؟

أية حقيقة هذه، فأنا أبدو اصغر من سني بكثير.

لا أقصد هذا الأمر فقط، بل كل ما يتعلق بسلوكك مع الآخرين.

وماذا عنه أيضاً؟

إصرارك على تمثيل دور المراهقة مع أنك امرأة متزوجة.

هل اكتفيت؟

ليس بعد، كما أنك لا تملين لعبة بذر الشقاق بين الزملاء، ولا تطيقين رؤية اثنين منهم على وفاق، إضافة إلى أنك لا تكفين عن النميمة على الآخرين.

أنت تبالغين كثيراً، فقبل أسبوعين فقط قمت بإجراء مصالحة بين هدى وفادية.

لأن لك مصلحة في ذلك، ولكنك تنسين أنك سبب الخلاف بينهما أصلاً، وأنك كنت سبباً فيه بعد حصولك على ما تريدين من المصالحة.

وماذا بشأن اتهامك لي بالمراهقة، ألا ترين أنه يفتقد لأي أساس لأنني امرأة متزوجة؟

المصيبة هي في أنك تنسين ذلك وتتعاملين مع الزملاء بطريقة فيها الكثير من الإغواء.

هل تتهمينني بسوء الأخلاق؟

بالتأكيد لا، أنا أتهمك بالتصابي ولعب دور لا يتناسب ووضعك الاجتماعي.

إذا كان ما تقولينه صحيحاً فما الفائدة التي سأجنيها من وراء ذلك؟

البقاء في دائرة الضوء.

لا أفهم ما تقصدينه؟

الحياة أدوار وأطوار متعاقبة، ينتهي واحد ليدخل الإنسان في دور جديد ولكل واحد مميزاته.

لقد زدت الأمور غموضاً.

أيعقل أنك لم تفهمي ما أقول؟

صدقيني أن ما تقولينه هو كاللغز بالنسبة لي.

ما تفعلينه هو دور عفا عليه الزمن، فماذا تركت لأولادك ليفعلونه.

ماذا تقصدين بقولك هذا؟

أن تصرفاتك لا تتناسب مع سنك.

عدت مرة أخرى إلى الحديث عن السن.

وسأبقى أذكرك أنك أكبر سناً من أن تتصرفي على هذا النحو.

بغضب واضح.. اصمتي فوراً.

لن اصمت، وسأبقى أقرع جرس الإنذار هذا دائماً.. ودون وعي هوت بكفها على وجه الأخرى في محاولة لمنعها من الاسترسال بالحديث، وكانت صدمتها عنيفة للغاية عندما رأت جميع الزملاء يتحلقون حولها للاطمئنان عليها إثر تناثر محتويات كوب القهوة الخاص بها بعد أن لطمته بعنف بيدها عقب حوارها العنيف.. مع نفسها.

خالد اللوباني