انفتح باب المكتب، أو بالأحرى انفتح باب الغرفة التي يوجد بها المكتب، ثم اشتعل المصباح الكهربائي لتنطلق منه حزم من الأشعة المتتابعة والمتراصة، لترتطم كل قطعة بأشياء في الغرفة. وبعدها تحرك المقعد ثم ثبت في مكانه أمام المكتب الخشبي الذي سقطت حزم من أشعة المصباح الكهربائي على سطحه لتداعب آلة كاتبة تحتل وسطه والى جانبها حزمة أوراق بيضاء متراكمة.. بعضها فوق بعض كأنها كتلة واحدة من عجينة الورق، سميكة هادئة.. تنتظر.
إلى جانبها كانت المرمدة وعلبة السجائر. ارتفعت ورقة من تلك الحزمة والتفت حول دولاب الآلة الكاتبة التي كانت الأشعة الساقطة تصطدم بمفاتيحها. تحركت مفاتيح الآلة الكاتبة فبدأت الحروف ترتسم على الورقة وتكتب.. انفتح باب المكتب.. اشتعل المصباح لتنطلق حزمة من الأشعة المتتابعة.
كانت المفاتيح تتحرك بنفس إيقاع وسرعة عقارب الساعة ذات الميناء الأبيض، والمعلقة على الجدار المقابل للمكتب، وبالتحديد فوق المرآة الكبيرة. داخل المرآة الكبيرة المربعة المزينة بإطار ذهبي، كان الفستان الأصفر الجميل ينتصب كالتمثال إلى جانب معطف شتوي داكن تظهر من فتحته ربطة عنق سوداء، أما بقية المساحة فكانت زرقة الجدار تكتسحها.
توقفت الحروف عن الارتسام وتوقفت المفاتيح عن الحركة الإيقاعية الرتيبة، دار الدولاب فانسلت الورقة من حوله وتهاوت لتسقط في سلة للمهملات على يمين المقعد. أما عقارب الساعة الحائطية فواصلت دقاتها بإيقاع واحد وسرعة لا تتغير.
التفت ورقة أخرى حول الدولاب فتحركت مفاتيح الآلة الكاتبة، وبذلك بدأت الحروف ترتسم على الورقة من جديد لتكتب، انفتح باب المكتب وكانت حركة عقارب الساعة اقل سرعة من حركة المفاتيح، لقد اشتدت سرعة المفاتيح قليلا وسرعة الحروف أيضا في ارتسامها على الورقة.
كان الفستان الأصفر الجميل مقسوما بسلسلة من الأزرار البنية، عندما بدأت حركة المفاتيح تتسارع وبدأت الأزرار تغادر عراها واحدة تلو الأخرى.. إلى أن وصلت الحزام الذهبي المزخرف. انفتح الحزام ترنح قليلا ثم سقط واختفى من المرآة وواصلت الأزرار مغادرة عراها المطرزة بخيط قرمزي.
وعندما غادر آخر زر آخر عروة انفتح الفستان تماما وتساقط فاختفى هو الآخر من المرآة. إما المعطف الشتوي الداكن فبقي وحده داخل المرآة إلى جانب شماعة مثبتة بأعلى الجدار. كانت الورقة عندما غادرت دولاب الآلة الكاتبة شاحبة ترتج لتهوي نحو سلة المهملات، وكانت الورقة التي التفت من جديد حول الدولاب اقل بياضا من الأولى وأكثر شحوبا من الثانية.
استأنفت المفاتيح حركتها بسرعة أكبر لتتحدى بإيقاعها إيقاع الساعة الحائطية ولترتسم حروفها على الورقة فتكتب.. انفتح باب المكتب، فغادرت أزرار المعطف عراها فسقط واختفى من المرآة متبوعا بربطة العنق السوداء، اختفيا كما اختفى الفستان الأصفر قبلهما مع الحزام الذهبي وبقيت الشماعتان مثبتتين بأعلى الجدار داخل المرآة.
متلازمتين تشهدان على أن تلك المرآة لم تكن فارغة قبل لحظات فقط، وكانت الساعة الحائطية تستقبل أشعة المصباح وهي تداعب عقرب الثواني المتنقل بين أرقامها بكل رشاقة متجاهلا عقربي الدقائق والساعات اللذين كان يغطيان الرقم 12.
اشتدت سرعة المفاتيح وصارت الأوراق تغادر دولاب الآلة الكاتبة بسرعة أكبر وتسقط بثقل في سلة المهملات. كانت حزمة الورق تتضاءل وحروف الآلة تصطف لتكتب من جديد والصهد يتصاعد من الآلة واثر الحروف على الورقة اسود فحمي يتصاعد منه دخان خفيف.
وكانت قد ارتعشت مفاتيح الآلة والقفاز الجلدي الأسود الذي كان يضغط عليها، وكان المقعد يرتج كأن المسامير التي تشد أرجله ومسنده انفكت قليلا، وفجأة وفي غمرة جنون الآلة وضوضاء مفاتيحها وحروفها انتصب المعطف الشتوي الأسود وأسرعت أزراره بالعودة إلى عراها وعادت ربطة العنق السوداء لتطل من فتحته واختفت الشماعة.
عبدالرحمن الوهيبي
