لقد كان شهر رمضان المبارك ميداناً يتنافس فيه الصالحون بأعمالهم واجتهادهم ومضماراً يتسابق به المحسنون بإحسانهم فكم بكت فيه من عيون دامعة وكم رفعت فيه من أكف ضارعة وأنفقت فيه من أموال طائلة وبذلت فيه من أعمال صالحة، فكانت بذلك عاملاً مهماً في تهذيب النفوس المؤمنة وترويض القلوب الصالحة على الفضيلة والخير للانطلاق بيسر إلى طاعة الرحيم الرحمن.
لقد مضى شهر رمضان المبارك وقلوب المسلمين حزينة ونفوس الصالحين مشفقة وعيون المجتهدين دامعة يبكون على فراقه ويسألون الله تعالى قبوله منهم، فالخوف من عدم قبول الأعمال بعد الاجتهاد التام فيها ينبغي أن يلزمنا فالواحد منّا لا يدري هل قبل عمله أم رد عليه.
قال تعالى: «والذين يأتون ما آتوا وقلوبهم وجلة إنهم إلى ربهم راجعون». أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون ألا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قصروا في القيام بشروط العطاء وهذا من باب الإشفاق والاحتياط.
ولقد سألت السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حول هذه الآية فقالت: يا رسول الله يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة وهو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: لا يا بنت الصديق ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل».
إن القرآن يهدي للتي هي أقوم فلا تضيعوا هذا الطريق ولا تحيدوا عنه، إن طرف القرآن بيد الله وإن طرفه بأيديكم فإذا تمسكتم به لن تضلوا فهل يستغني أحد عن أن يكلمه الله؟ فلا تضيع القرآن بعد رمضان حتى لا يأتي القرآن يوم القيامة ويقول يا رب إن فلاناً اتخذني مهجوراً، اقرأ القرآن واعمل بما فيه فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، فعن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه»، فاقبل على القرآن وافهم ما يُراد منه وما نزل لأجله وخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته وانزلها على داء قلبك فإنه له شفاء فإنه لو نزل على الجبال لقطعها وعلى الأرض لصدعها. قال تعالى: «لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله». فكيف لو نزل على القلوب المتلهفة إلى القرآن فماذا يصنع فيها، إنه يملؤها حلاوة ولذة ونعيماً لا ينفد إنه نعيم القرآن.
الذكر
إن الذكر زاد المؤمن وإن كنت تحافظ عليه في رمضان فهل تستغني عن الزاد بقية العام، الذكر شفاء من الأسقام ومرضاة للرحمن ومطردة للشيطان. الذكر جلاء القلوب وصقالها ودواؤها إذا غشيها اعتلاها.
فإذا كانت الجنة قيعان والذكر غراسها فإن القلوب بور خراب وهو عمارتها وأساسها. اسمع إلى هذا الحديث الجميل الذي يبيّن فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم فضل الذكر. قال صلى الله عليه وسلم: «ألا خيركم بخير أعمالكم أزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قال: ذكر الله».
إن الذكر هو الحصن الحصين من الشيطان الذي فك من قيوده بالأمس القريب قال سبحانه وتعالى: «استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله».
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حديث الحارث الأشعري: «وأمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في اثره سراعاً حتى إذا أتى على حصن حصين أحرز نفسه منهم وكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا ذكر الله».
الإحسان إلى الناس
ترى كثير من الناس لا تظهر عليهم علامات الجود والكرم إلا في رمضان، فإذا ما انتهى رمضان لا تجد إلا العبوس في وجه الفقراء ولا تجد إلا البخل والشح فأنت قد من الله عليك بالإنفاق على الفقراء والمساكين في رمضان فهلا عودت نفسك على الإنفاق حتى ولو بالقليل؟
قال صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة».
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه: انشدك الله هل سماني لك رسول الله ـ يعني من المنافقين ـ ؟ فيقول لا ولا أزكى بعدك أحداً مضى شهر رمضان ليكون شاهدا للمؤمن بطاعته وعبادته وإحسانه وشاهدا على المقصر بتقصيره وتفريطه وغفلته وعصيانه.
أحسن فيه أقوام ففازوا وسبقوا وأساء فيه آخرون فرجعوا على كسلهم وتفريطهم بالخيبة والخسران ومسكين كل المسكنة من أدراك موسما عظيما كرمضان ثم لم يظفر من مغانمه ونعماته وجوده بشيء.
فليفتح كل واحد منا صفحة المحاسبة لنفسه، ماذا عمل فيها؟ وما مدى تأثيره على العمل والسلوك؟ أخذنا بأسباب القبول بعدها واستمررنا على العمل الصالح أو أن واقع كثير من الناس اختلف؟ فحري بكل عاقل أن ينظر في حالة ويفكر في أمره.
لأن المسلم يجب أن يكون مستمراً على طاعة الله ثابتا في شرعه مستقيما على دينه لا يروغ روغان الثعالب يعبد الله في شهر دون شهر أو في مكان دون آخر.
إن رب رمضان هو رب بقية الشهور والأيام وأنه رب الأزمنة والأماكن كلها فيستمر على العمل الصالح لأن الاستمرار على الأعمال الصالحة يقوي الإيمان ويربطك بالله لذا ترث حب الله فيعطيك إذا سألته ويعيذك إذا استعذت به.
راية المحرزي