كتاب «الرسالة والأمانة» صادر عن دار النهضة العربية في طبعته الأولى أغسطس 2008 للمؤلف مصطفى عسكر، يقدم فيه رؤية حضارية إسلامية لمسيرة التقدم الإنساني بين المنطلق والمنهج والغاية، ويتناول المؤلف عدة موضوعات مهمة منها: البحث عن الحق، الله هو الحق، مسيرة الإنسان ورسالته، ويبعث المؤلف في البداية إهداء إلى كل إنسان باحث عن التصالح مع الماضي، والرضا والأمان في الحاضر والثقة والأمل في المستقبل.
يقول المؤلف: «إلى كل إنسان متطلع إلى الفوز والنجاح على أساس من الإيمان بحقائق ثابتة وراسخة كالجبال الراسيات أو أشد رسوخا، فقد تزول الجبال، ولكن لا يزول الإيمان المؤسسي على إدراك الأمن الحقيقي، إلى كل إنسان يتطلع لأن يجعل لمسيرة حياته منطلقا ومنهجا وغاية».
في مقدمة الكتاب، يرى المؤلف أن التطورات العلمية والصناعية والتكنولوجية الحديثة أدت إلى إمكانية تصنيف الدول إلى دول متقدمة ونامية ومتخلفة، ولعب في هذا التصنيف ولا شك مدى أخذ الدول المعنية بالمنهج البحثي ? العلمي والتخطيطي ? التنموي في إدارة شؤون البلاد والعباد، ثم برزت في العقود الأخيرة أهمية عوامل أخرى في قياس معدلات التقدم، ولعل أهمها عوامل التنمية البشرية التي تعني أو تعبر عن مدى التقدم في مستوى معيشة الإنسان، ومدى انعكاس التطور الاقتصادي للبلاد على التطور النوعي في حياة الأفراد، ومدى تمتعهم بمستويات رعاية معينة.
يلاحظ المؤلف أن الإنسان في كل سعيه وحركته باحث عن «الأمن» أو «تأمين» مصادر وعوامل قوته، فهو باحث عن أمنه الوجودي، وباحث عن أمنه الحياتي ؟ المادي وباحث عن أمنه الاجتماعي، ثم هو بالتأكيد باحث عن أمنه النفسي ؟ الروحي الهادف إلى معرفة الحقيقة العليا والاقتراب منها.
يبدأ المؤلف كتابه بالبحث عن الحق، فيقول: يرسم لنا القرآن الكريم في هذا الصدد مشهد إنسان باحث عن الحقيقة، وله دور عظيم في تاريخ البشرية، وهو أبو الأنبياء إبراهيم «الخليل» عليه السلام، ففي رحلته في البحث عن الحقيقة كان إبراهيم «الخليل» يبحث عن شيء عظيم وكامل وجميل لا يطرأ عليه أي نقص من الجمال والكمال، وبالتالي يكون ذا عظمة مطلقة، واعتمد أبو الأنبياء على منهج الحرية العقلية والوجدانية في النظر والتأمل والتفكير والاعتبار، والبحث والتدقيق لغرض التحقيق، ولكن ما الذي دفعه لكل هذا؟ لا شك أن النزعة المعرفية هي التي كانت وراء رحلة إبراهيم الإيمانية، وهذه النزعة لها بالطبع روافد قلبية وعقلية، ودوافع باطنية وظاهرية، ولعل ما يطلق عليه في القرآن اسم «الفؤاد» هو تلك الملكة الإنسانية الباحثة عن المعرفة التي لها دور محوري في إحساس الإنسان بالسعادة والأمن.
ويؤكد أن حرية العقل هي انطلاقة رحلة البحث عن الحق لأبي الأنبياء، وكان تحرر الإنسان من الجهل والباطل وكل طواغيت وأوثان الأرض هو منتهى المسير في ظلال الأمن والسعادة والنعيم المقيم في رحاب وحدانية الحق.
وفي رأى الكاتب أنه مهما اختلف الناس حول مفاهيم الأمن والإيمان والرضا والسعادة، فلعلهم يتفقون أنها في جوهرها ارتباط وصلة بحق قائم فوق الكل أبدى وأزلي، وهو مصدر كل خير وكمال وروعة وجمال وعظمة وجلال، ليس كمثله شيء قائم بذاته.
وبعد ما سبق ذكره، ينطلق الإنسان إذاً في مسيرته في الكون الواسع من مبدأ أن «الله هو الحق» وأنه وحده «المستحق للعبادة» لأنه «خالق كل شيء»، ولكن المنكرين لأهمية الإيمان بالله يفوتهم دائما أن يذكروا لضعاف العقول الذين يسمعون لهم: من غير الله يصاحب الإنسان في مسيرته في مراحلها المختلفة بدءا من الخلق فالرزق، ثم الموت والإحياء، وتشير إلى ذلك الآية الكريمة في سورة الروم (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون) وهنا تخاطب الآية الكريمة عقل الإنسان ووجدانه وتدعوه للتأمل العميق في مراحل وجوده الأربع، خلق، ثم رزق، ثم موت، ثم بعث...
أما عالم الغيب، فيؤكد المؤلف على أن مفاتحه عند الله عز وجل، وبيده مقاليد كل شيء، ورضيت الملائكة بالشهود العظيم بعدما أدركت طرفا من أبعاد قوله تعالى (إني أعلم ما لا تعلمون)، وبدأ الإنسان يتلقى من فيض علم خالقه(وعلم آدم الأسماء كلها) لأن تعلم آدم الأسماء كلها، كان يتضمن بالتأكيد تعليمه القدرة على تسمية كل المستجدات في حياته سواء في نفسه أو البيئة المحيطة به.
كان تعلم آدم للأسماء التي هي أساس البيان ضرورية كذلك للإنسان لأنه سيتلقى رسالات من خالقه يعرفه فيها بذاته العليا وصفاته القدسية ويدعوه فيها للتعرف على نفسه وعلى الكون من حوله وعلى رسالته ومكانته العليا في هذا الوجود.
وقبل التطرق في الحديث عن مهمة الإنسان في الأرض، يشير المؤلف إلى أن التصور الإسلامي يؤكد أن معلومات الله ومقدوراته لا نهاية لها (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)؛ فإنه قبل خلق الكون وخلق الإنسان (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم)، فالإنسان لم يجيء إلى هذا الكون ملكا متوجا لأنه مخلوق كغيره من المخلوقات إلا أنه تميز بخصائص تؤهله لأداء رسالة، وليس فقط لأن يحيا ملبيا حاجاته البيولوجية وقاصرًا سعيه على تأمين ما يحتاجه من مواد لبقائه حيا.
ويتحدث المؤلف عن العدل والقسط والميزان، قائلاً: إن الميزان الإلهي هو ميزان الحق والعدل الذي لا يغيب عنه مثقال ذرة (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون)، وميزان العدل الذي لا يغيب عنه مثقال ذرة هو القسط (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم)، هذه الشهادة العظمى من الله الحق لنفسه بالوحدانية ضمنها أعظم أفعاله وهو «القيام بالقسط» كحالة دائمة مستمرة له سبحانه.
إن مفهوم الأمانة، كما يورد الكتاب، أوسع بكثير من مفهوم الحقوق في القوانين الوضعية، وإذا تأمل كل إنسان في التزاماته، لوجد أن مفهوم «الأمانة» أوسع مدى بكثير مما اصطلح على تسميته حقوق وواجبات، وقد يجبر القانون الأبوين أو إحداهما مثلاً على تعليم الأبناء إن أرادا الأبوان التنصل من ذلك.
وينتقل المؤلف في حديثه إلى العلم والمعرفة، فيرى: إن معرفة الإنسان بربه هي أصل المعارف لأنها معرفة بأصل الحقيقة، ومعرفة الإنسان بنفسه هي من أصول المعرفة أيضًا، ومعرفة الكون أصل الحياة، ومن هنا تكون أصول المعرفة ثلاثة: معرفة الله ومعرفة النفس ومعرفة الكون، ومنها تنبثق أنهار جميع العلوم، ثم تعود لتصب في محيطاتها تارة أخرى.
وقد وضع القرآن الكريم الأساس لفكر حضاري جديد كل الجدة، حيث فتح كل الأبواب للبحث العلمي وحطم كل الأسوار والحواجز ورفع القيود عن العقل البشري، بل أعطاه دفعة هائلة لاستكشاف كل جديد والتعرف على كل الكائنات وكل القوانين الطبيعية، إذ جعله بذلك مستكشفًا لقدرة الله اللامحدودة، فجعله مستكشفا أبدا ومتقربا أبدا
