طالب اقتصاديون وخبراء إسلاميون بتحرك عربي وإسلامي سريع لمواجهة الأزمة المالية العالمية من خلال استراتيجية تقوم على المنهج الإسلامي، خاصة إن من أهم أسباب الأزمة الرهن العقاري الذي حرمته الشريعة الإسلامية، وأكد الخبراء أن الأزمة الحالية فرصة تفتح الباب على مصراعيه أمام الخيارات الإسلامية بعد عجز الخيارات الاقتصادية الأخرى عن وضع نظام اقتصادي متوازن يحقق أهداف الفرد.
مؤكدين أن البنوك الإسلامية لم تتأثر بالأزمة إلا في نطاق محدود. وأشاروا إلى أن حل هذه المشكلة ممكن إذا تم الابتعاد عن المحرمات التي تتم في المعاملات البنكية من ربا وغيرها، واتباع الأسلوب الإسلامي، كما طالبوا بمراجعة السياسات الخاطئة في العالم الإسلامي التي يتم استخدامها في البنوك العربية والإسلامية حتى لا تتفاقم المشكلة. المفكر الإسلامي محمد عمارة دعا الدول الإسلامية والعربية التعاون مع بعضها حتى تتجاوز هذه الأزمة، مؤكدا أن الإسلام مؤهل لحل كل مشاكل العالم، وقال إن حل مشاكلنا أمر بيدنا، ومن بينها مثل هذه المشكلة، وذلك بأن نبتعد عن المحرمات، خاصة التي تتم في البنوك عبر التعاملات بالربا، وعلينا أن ننتهج أسلوباً إسلامياً يقوم على الشراكة وليس التبعية، وقال إن سلوكهم وسياساتهم المالية قادتهم إلى هذه الأزمة، بينما في النظم الإسلامية السلامة والأمان.
واستند عمارة إلى عام «الرمادة» قائلاً، إنه عبرة، وذلك عندما نضبت الأرض عامًا كاملاً لا تنبت، ولا تخرج من زرعها شيئًا لعدم نزول الأمطار، وكان وقتها عمر بن الخطاب أميرًا للمؤمنين وصلى صلاة الاستسقاء، ودعا قائلاً «اللهم إنا كنا نستسقي برسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته واليوم نستسقي بعم النبي العباس رضي الله عنه»، متوسلاً بهذا الصحابي الكبير فأنزل الله عليهم المطر فشربوا وسقوا زروعهم.
وأكدت د. زينب الأشوح ـ أستاذ الاقتصاد الإسلامي أن الأزمة المالية الحالية كشفت أن النظام المصرفي العالمي في حاجة للاستفادة من النظام المصرفي الإسلامي، خاصة في ظل نشاطه وتطوره في السنوات الأخيرة حتى وصلت إلى 270 مؤسسة بأموال بلغت 210 مليارات من الدولارات الأميركية.
وأشارت إلى أن الأزمة الحالية ستتأثر بها الدول العربية والإسلامية لارتباطها بالدولار فضلا عن أن أغلب كبار المتعاملين في شراء الأسهم والسندات في الدول العربية يتعاملون ويستثمرون في الدول التي تتعامل مع السوق الأميركية، وهو ما انعكس بشكل سلبي على البورصات في معظم الدول العربية.
وأشارت إلى أن المصارف الإسلامية بدأت تأخذ مكانتها وآخذة في التوسع في العديد من الدول وحتى في أوروبا، مشيرة إلى أن لندن أصبحت مركزًا للصيرفة الإسلامية، وتتجه إلى ذلك أيضًا فرنسا وعدد من دول أوروبا، إضافة إلى النشاط المعلوم للمصارف الإسلامية في دول أميركا الشمالية الجنوبية.
فيما أكد د. محمد عبدالحليم عمر ـ مدير مركز صالح للاقتصاد الإسلامي أن أسباب الأزمة يقف على رأسها الرهن العقاري، وكلها تعاملات محرمة في الشريعة الإسلامية، مشيرًا إلى أن هذا يؤكد صلاحية المنهج الإسلامي، وأكد أن النظام الإسلامي يرفض تعاملات الرهن العقاري وغيرها من تلك الأساليب المستخدمة في النظم الاقتصادية الأخرى، ولذلك طالب بتطبيق المنهج الإسلامي في علاج المشكلات الاقتصادية، والإسراع بالإعلان عن السوق العربية الإسلامية المشتركة.
وأشار إلى أن قيام المؤسسات المالية بأميركا بتقديم قروض كبيرة للتمويل العقاري بلغت حوالي 11 تريليون دولار لشراء المنازل وغيرها من قروض استهلاكية بموجب بطاقات الائتمان أدى لحدوث هذه الكارثة، وقال: هذا يؤكد أن الأساليب المستخدمة في النظم المالية غير الإسلامية مثل نظام التورق حيث تقوم البنوك وشركات التمويل ببيع دين القروض للعملاء الذين قاموا بشراء العقارات، وأيضًا نظام الفوائد الربوية كلها أساليب محرمة شرعًا، مما يدعونا لأن نؤكد أن المنهج الإسلامي هو الأصلح.
وقال د. عبد المعطي بيومي ـ أستاذ العقيدة والفلسفة: إن المنهج الإسلامي يمثل الوسط بين الاشتراكية والرأسمالية، ولذلك لابد من الرجوع إليه والابتعاد عن الحلول المؤقتة في هذه الأزمة، واعتبر الحلول المؤقتة مثل الحقن المسكنة التي تظهر آثارها في وقت وجيز، وانتقد إطلاق الحرية الرأسمالية لتفعل ما تشاء دون اعتبار للرقابة على الذين يتحكمون في الأسعار والأسواق وغيرها، مع أن الإسلام أعطى المسؤولية الحق في الرقابة منعًا للاحتكار أو التصرف، استنادًا إلى قوله تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون).
واعتبر بيومي أن التعاملات البنكية حاليًا تجيز أكل أموال الغير بالباطل، مشيرًا إلى أن ما حدث هو عقاب إلهي باعتبار أن كل ما يتم لا تخرج عن كونها مراهنات.
فيما طالب د. سلطان أبوعلي ـ وزير الاقتصاد المصري الأسبق بوضع سيناريوهات مناسبة لمواجهة الأزمة التي أرجعها إلى التوسع في نظام الرهن العقاري السلبي، وزيادة الاستهلاك القائم على القروض الاستفزازية وتضخم الأموال المالية من دون اقتصاد عيني يدعمها، وأشار إلى احتمال استمرار الأزمة إلى أكثر من عام، ولذلك بالضرورة أن يكون هناك تعاون عربي وإسلامي لمواجهتها من خلال الاستفادة من الجهود الدولية القائمة، وأكد أن الاقتصاديات العربية ستتأثر بنسب متفاوتة بهذه الأزمة، مشيرا إلى أن هذا الأمر يتطلب تحركاً عربياً وإسلامياً سريعاً.
وكشف د. صلاح زين الدين ـ أستاذ الاقتصاد الإسلامي عن أن الأزمة الحالية دفعت كثيرا من المستثمرين تجاه الصيرفة الإسلامية حتى ان البعض أكد أن الهيمنة الإسلامية قادمة إلى الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن الرؤية الإسلامية هي الحل، والتي تستوجب أن يكون الأداء المالي مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بالنشاط الاقتصادي والتوازن بين إنشاء المعاملات والالتزامات التعاقدية وبين مقاصدها الاقتصادية.
وهذا ما يؤكد أن المخاطر لدى البنوك الإسلامية أقل من مثيلاتها التقليدية الغربية، وهذا يعني أن التعامل بالتمويل الإسلامي مع المؤسسات التمويلية الإسلامية يزداد بشكل كبير، خاصة ان المستثمرين يبحثون عن طرق آمنة للتمويل، ولتوظيف أموالهم دون التعرض لمخاطر البنوك التقليدية، خاصة ان هذه الأزمة ربما تستغرق أكثر من عامين.
كما أكد د. رشاد عبده ـ أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أن الأزمة لن تقتصر على الدول الغربية فقط بل شملت العديد من الدول العربية، ولذلك لابد من مراجعة السياسات الخاطئة التي يتم استخدامها في البنوك العربية حتى لا تتفاقم المشكلة، مشيرا إلى أن عدم الربط بين المعاملات المالية والمعاملات الحقيقية يعد سببًا مباشرًا للأزمة، وهذا يعد أسلوباً خاطئاً.
وقال: من خلال هذه التعاملات يظهر بأنه لا يتم الربط بين المال وأصل المشروع فتتولد ديون دون أن يوجد أصل لها، وذلك غير ما تتعامل به البنوك الإسلامية في تعاملاتها، والتعامل في البنوك التقليدية هي أن العميل يستطيع أن يبيع ما لا يملك أيضًا، وهذا الأسلوب غير مضمون، ولذلك لابد من الشراكة بين البنك والعميل.
فيما توقع أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر د. صلاح الدين فهمي أن يزداد الطلب على التمويل الإسلامي خلال الشهور القادمة باعتبار أن البنوك الإسلامية لديها الكثير من الأموال المتاحة لتمويل الأفراد والشركات، وذلك عكس البنوك الغربية التي ستفكر كثيرًا قبل منح القروض لأي جهة، وربط الأزمة التي تعاني منها الولايات المتحدة الأميركية بعدد من المشكلات السياسية والاقتصادية المتراكمة خلال السنوات الماضية التي تحملتها الميزانية الأميركية منها الحرب في العراق وفلسطين غير أزمات عديدة في شتى بلاد العالم.

