لم يشعر بتواطؤ الأشياء ضده إلى هذا الحد قبل هذا اليوم، فمنذ لحظة استيقاظه من النوم كان واضحاً أن سوء الطالع هو المتحكم في اتجاهات اشيائه التي كانت تمضي في مسار غير طبيعي، حيث سقطت فرشاة اسنانه في فتحة التواليت ما جعلة يلجأ لاستخدام الملح واصبع السبابة في تنظيف اسنانه.
ولم تشذ الجروح الصغيرة الني حفل بها وجهه اثناء الحلاقة عن القاعدة في هذا اليوم، وحتى عندما اعتبر أن الأمور قد توقفت عند هذا الحد وضغط زر المصعد منطلقاً إلى موعده فوجئ بعد أكثر من ربع ساعة من الانتظار أن المصعد كان معطلاً وعليه أن يستخدم أدراج البناية العديدة التي ستنقله من الطابق السابع إلى الأرضي، وحث السير قافزاً من درجة لأخرى كي لا يتأخر عن موعده.
وفي منحنى الطابق الخامس كان على موعد مع حادث اصطدام كلفه عددا من الشتائم من والد الشابة التي اصطدم بها، كما كلفه المزيد من الاعتذارات لها وهي تمسك برأسها متألمة متجاهلاً ما يصدر عن والدها بالنظر للأدب الجم الذي أظهرته وهي تؤكد له عدم وجود ما يدعو للقلق ويمكنه الرحيل.
لم يفاجئه الأمر كثيراً عندما شعر بثقل حركة سيارته وتوازنها المختل فتوقف إلى جانب الطريق ليشرع بتغيير اطارها الذي كان خالياً من الهواء ليعود وينطلق نحو تلك الحديقة الصغيرة الواقعة في الركن القصي من المدينة الذي ينأى عن أعين الكثير من المتطفلين والتي اتخذ فيها المقعد الاكثر عزلة ليدخل في رحلة انتظار أخذت تطول شيئاً فشيئاً ما دفعه لاستخدام هاتفه المتحرك الذي لم يحظ سوى برد من المجيب الآلي بأن الهاتف الآخر مغلق حالياً.
أشعل المشهد الذي كان بطلاه الشابين الصغيرين الجالسين على المقعد المواجه له الكثير من الحنين في نفسه، فقد كان الشاب مكتفياً بالنظر في عينيها فيما كانت هي تواصل الحديث وتحريك يديها يمنة ويسرة، دون أن تنسى أن تعيد بإحداهما بين الفينة والأخرى خصلات شعرها المنسابة إلى الخلف بدلال أو أن تضع ذراعها بشكل عفوي على كتفه ما كان يحيل وجه الفتى إلى حقل من أقحوان.
ويبدو أن شحنة العواطف كانت كبيرة على الطرفين بحيث اندفعت الفتاة في مرحلة أخرى من الجلسة إلى القاء رأسها على صدره فيما باشر هو برفع خصلات شعرها المنسابة إلى الخلف..و.. وأنقطع خيط تواصله معهما عندما أطل وجه مألوف لديه من بين أغصان الأشجار الكثيفة على يمينه.. فقد كانت الصديقة المقربة من تلك التي سلبت لبه قبل أعوام ثلاثة ولم يمل انتظار مجيئها منذ أكثر من ساعتين.
الابتسامة التي طالعها بها سرعان ما خبت عندما لمح أثار دموع في عينيها مصحوبة بنظرات حائرة ولم تنجح في كبح جماح نفسها فتركت دموعها تنساب غزيرة بعد أن أبلغته بسر عدم مجيئها إلى الموعد المعتاد، لم يصدق ما سمعت أذناه وانخرط معها في نوبة بكاء حادة استمرت طويلاً حتى بعد أن رحلت الصديقة المقربة للوقوف إلى جانب صديقتها في يوم خطوبتها على ابن عمها الذي سيرحل وأياها عقب اتمام الفرح إلى حيث يعمل في إحدى الدول العربية.
لملم شتات نفسه وسار نحو بوابة الحديقة جاراً قدميه بصعوبة ماراً من أمام مقعد الشابين الصغيرين.. توقف قليلاً.. ابتسم لهما ثم عاود المسير نحو الخارج. ليستقل سيارته مجدداً. وبدأ ببطء واضح في صعود درج البناية التي لم ينجح عامل الصيانة في إيجاد حل للمصعد فيها، ويبدو أن الحزن الذي كان يختزنه قلبه نجح في صرف تفكيره عن عدد الدرجات الكثيرة التي كان عليه أن يقطعها وصولاً إلى شقته.
واثناء وقوفه لاستخراج مفتاح الشقة انشق باب الشقة المقابلة التي كانت غير مأهولة بالسكان حتى يوم أمس عن صبية جميلة بادرت فوراً إلى الاعتذار عن ردة فعل والدها صباح اليوم، مؤكدة أنها تنتظره منذ الصباح للاعتذار له.
ولم تنس قبل أن تدخل أن تمنحه ابتسامة اعترف لاحقاً بأنه لم ير لها مثيلاً من قبل، فكانت الابتسامة بمثابة الضوء الذي اخترق جدار سوء الطالع الذي حاصره طوال يومه ومسح أكداس الحزن عن قلبه، واستمر بترديد كلمات اغنية أثيرة لديه رغم أن المفتاح قد كسر وهو يحاول إدارته في القفل للدخول إلى منزله.
خالد اللوباني
