استفاقت من النوم فجأة في حدود الساعة السادسة صباحا. حلم مزعج راودها. دفعت الباب بقوة ووقفت عند المدخل تبكي بحرقة. خيل إلى صاحبة المنزل »كفيلتها« أن مكروها حدث لها. وجدتها تحتبس أنفاسها وتسيطر بصعوبة على عاصفة غضب، تفجرت بداخلها دفعة واحدة.
تبادلت معها نظرات حائرة وخائفة. سألتها:
ما بالك يا سيهواري، من الذي أساء إليك من أبنائي؟
لا إجابة سوى دموع تنهمر بقوة..
سيهواري أخبريني هل تتألمين من شيء أو هل وصلتك رسالة من ابنتك؟
نظرت إليها بحدة واستفاقت قليلا من هول المفاجأة. أحضرت لها ماءً لتشربه...
ماما.. حلمت حلما مخيفا أحسست بأنه حقيقة.. وقد تكرر بتفاصيله أكثر من ثلاث مرات..
بماذا حلمتي؟
رأيت في الحلم ابنتي تتهمني بعدم ثقتي بها.. وبأني لا أحبها مثلما أحب أمي وأختي لأني لا أرسل لها مباشرة راتبي.
وهل هذا فعلا ما فعلته سيهواري؟
لا يا سيدتي فأنا أرسل راتبي لها مباشرة مع مبالغ إضافية؟
إذا ما المشكلة؟
لا أعلم؟..
فأنا يا سيدتي تزوجت في سن صغيرة، ولظروف معيشتنا الصعبة اضطر زوجي إلى السفر خارج سيريلانكا للعمل في دولة خليجية إلا أن أخباره انقطعت فجأة وكنت حاملا في الشهر السابع. ليصلني طرد في اليوم الذي فكرت أن اتصل به في مقر إقامته. مكتوب به: »يرجى تسلم جثة المتوفي بأسرع وقت وإجراء اللازم«.
ذهلت تسمرت في مكاني واقفة دون حراك. تصببت عرقا وقعت لا أعلم ماذا حدث لي بعد ذلك؟.. سوى أني ارقد في المستشفى، وتم إجراء عملية جراحية عاجلة لي وأنجبت ابنتي الجميلة »وشبا«..
كنت في وضع مؤسف لم أكن فيه سعيدة لإنجابي أو حزينة لفقداني زوجي حينما لم يمض على زواجنا سوى سنة واحدة فقط.
تعبت كثيرا في تلك الفترة لمدة سنتين، وصلتني أتعاب زوجي كلها إلا أنها لم تكن كافية للاستمرار في وضع معيشي جيد، فقررت السفر للعمل رغم رفض والدتي واخوتي وتبريرهم بأن ابنتي صغيرة وهي بحاجة ماسة لي، إلا أن إصراري وضعني في تحد مع نفسي لأني لا أملك أي مؤهل دراسي أو حتى اعرف القراءة أو الكتابة للبقاء، والوضع المهني في البلد سيئ ولا يوفر وظيفة مناسبة لمن في مثل وضعي.
سافرت في 25 ديسمبر تحديدا تاركة ابنتي في عهدة والدتي كبيرة السن، وكان توجهي للعمل في لبنان في وظيفة طباخة وهو مجال فني وعشقي، وبقيت سبع سنوات ساعدت فيها ابنتي على الدخول لأرقى المدارس الشرطية في سيريلانكا، ونجاحها بامتياز ساهم في صمودي في وجه تحديات الغربة.
عدت في السنة الثامنة لدياري لأجد منزلي لم يكتمل ووضع ابنتي الدراسي سيتوقف فقررت السفر مرة أخرى وفي هذه المرة إلى دول الخليج وتنقلت بين ثلاث دول على مدى 11 سنة، حيث أكملت ابنتي عامها العشرين وبقي لديها دورة واحدة في الهند لتستقر في جهاز الشرطة لدينا وفي مرتبة عالية، لتصلني قبل يومين من عودتي صور عن زفافها وتركها العمل في جهاز الشرطة.. لأنهار تماما.
لا أعلم ما حل بي عقبها.. استنكرت هذا العمل الشائن!.. لأتساءل لما فعلتي بي ذلك؟ لم أقصر معها يوما.. حيث وفرت لها كل سبل الراحة والاستقرار، تواجدت معها باستمرار رغم أميتي إلا أنها جازتني بالنكران.. لماذا يا ترى؟
تصبرت وعدت إلى أرض الوطن.. وجدتها واقفة بانتظاري في المطار مع زوجها.. سعدت لأنها كبرت وأصبحت سيدة منزل أخيرا رغم مشاعر الحرقة والمرارة في صدري.
فتذكرت في لحظة ما قاله والدي لي يوما في دعوتي للخروج والبحث عن عمل »من يتعود على أن يأخذ دائما دون مقابل لا يستطيع أن يعطي أبدا«.
فقالت لها ربة المنزل: هذا هو الحال يا سيهواري.. الأم لا تنتظر من أبنائها أي مقابل، فحبهم لها ونجاحهم يسعدها.. فأخذت بيدها وشدتها للنهوض والبدء في إنجاز أعمال المنزل.
ناهد مبارك
