مرموم طفل أطلق عليه أهل الحي هذا الاسم.. قصة قديمة تناقلتها الألسن وعبرت عنها الخواطر.. بات يسردها الأجداد.. عن أرملة حامل في شهرها التاسع تنتظر مولودها بفارغ الصبر..

والشوق يملأ قلبها الحنون لملاقاة وليدها لتشعر ببراءته وتسمع صوته الطفولي.. انتظار طويل ولم تبق سوى أيام معدودة لتستقبل طفلها فلذة كبدها... وفجأة هم بها مرض شديد ولم تستطع الأعشاب إيقاف معاناتها حتى باتت هزيلة والمرض يأكل جسدها النحيل ولم تستطع قواها التحمل وجنينها يتحرك رافضا استسلامها.. إلا أنه حان وقت الفراق فطلبت من الله عز وجل ان ينجي طفلها ويهبه الحياة ليعيش ويرى الدنيا.. دقائق وأغمضت الأم عينيها مودعة جيرانها واقاربها بدموع صامته عجز لسانها ان يعبر عنها..

صياح وبكاء ملأ غرفتها لما عرف عنها من اخلاق حميدة وصفات حسنة.. وعم الحي حزن شديد على فراقها.. وباتت ذكراها تستمد من قوة بأسها وصبرها بعد وفاة زوجها وتحملها مشقة إعالة نفسها بالرغم من حملها.. الذي كانت تترقبه بفارغ الصبر.

ولم ينس الأهالي ذكراها والترحم عليها والتصدق من اجلها.. شهر تلو الشهر حتى مرت ستة أشهر على وفاتها.

وفي يوم من الايام وبينما كانت نساء الحي متوجهات إلى البر لجمع الحطب من اجل الطبخ والشعور بالدفء في شتاء بارد، سمعن أصواتا صادرة من بعيد من تلك البقعة.. فبدأن يقتربن شيئا فشيئا وفجأة عم السكون المكان.. فبدأن يتلفتن يمينا ويسارا يبحثن عن أحد أو صوت دون جدوى، فرجعن أدراجهن..

وبعد أسبوع عاودن الذهاب من أجل جمع المزيد من الحطب ويتكرر الأمر فأسرعن نحو الصوت خوفا من اختفائه.. حتى وصلن إلى المكان ولم يجدن شيئا رغم تأكيد كل واحدة سماعها الصوت وأنه ليس وهما..

وعندما قررن الانصراف لاحظن شيئا غريبا.. فقد وجدن آثار أقدام صغيرة تملأ المكان.. فاستغربن منها خاصة وهي ترجع لطفل لا يتعدى الأشهر فكيف وصلت لهذا المكان.. تهامسن فمن التي تحضر طفلها معها وأجبن كلهن بالنفي.. وبصوت ضعيف ومهزوز قالت إحداهن ربما يكون احد اطفال الجن طلب منهم الاسراع بالعودة.

إلا أن فضول بعضهن جعلهن يبحثن عن الاجابة في المكان فتوزعن يبحثن ويتتبعن الآثار حتى وصلن إلى المقبرة.. وتعالى صوتهن بالدعاء والسلام على الأموات وأخذت ملامحهن تتغير من شدة الموقف.. وفجأة توقفت الآثار عند إحدى المقابر.. فتساءلن عن صاحب القبر.. وردت إحداهن بأنه يعود لسيدة حزنت عليها القرية.

وكانت حاملا في شهرها التاسع عند وفاتها.. لتستجمع إحداهن شجاعتها وتقرر الاقتراب من القبر الذي لاحظت وجود فتحة به من جهة اليمين بحجم كرة القدم فاقتربت منه لتسمع اصواتا صادرة من الداخل فاقتربت أكثر وأطلت برأسها نحو الفتحة لتجد أعينا صغيرة تنظر إليها..

فصرخت من هول ما شاهدته مرددة بسم الله.. سبحان الله، وسرت القشعريرة في كامل جسدها.. وهي تردد ماذا نفعل هل نخبر اهل القرية؟ ام نقوم بحفر القبر واخراج الطفل؟ وبعد مشاورات كثيرة قررن فعل الصواب.. حاولن في البداية مناداة الطفل ليخرج من الفتحة دون جدوى..

فقمن بتوسيع الفتحة أكثر.. ووقفن صامتات من هول ما شاهدن.. جسم الأم وقد أكله الدود من الجنب الأيسر فقط، بينما الجانب الأيمن كما هو والطفل ملتصق به يرضع من ثدي أمه.. فأخذنه بعد محاولات عديدة مترحمات عليها.. وقمن بطمر التراب عليها مرة اخرى وانصرفن إلى القرية والطفل معهن متعهدات بتربيته وتسميته بمرموم المشتق من اسم الرمة لنجاته من الدود.

عائشة الكعبي