حذر الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق ورئيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة من خطورة التعصب المذهبي والدعوات الهدامة التي تحركها أصابع خفية لنشر الفتنة بين المسلمين، مؤكدا أن الخلاف المذهبي في إطار الاجتهاد وتعدد الرؤى في الأمور التي لا تحتكم إلى نص قطعي في أصول الدين هو أمر طبيعي.

وأضاف عاشور ان الإسلام دين يقر التعددية الدينية والمذهبية والثقافية ولكنه ينبذ التعصب الممقوت، ووصف فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية بأنها فكرة حوارية تعتمد على الاجتهاد وتمقت التعصب والتشرذم.

نلاحظ خلال هذه الأيام أن الأصوات قد تعالت للمطالبة بالتقريب بين المذاهب الإسلامية، بصفتك رئيسا لدار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة كيف ترى أهمية هذه الدعوة؟

دعوة التقريب بين المذاهب الإسلامية تأخذ أعلى مكانة في تاريخ الإصلاح الإسلامي قديمه وحديثه لأنها دعوة إلهية، فالله عز وجل هو الذي وضع أساسها ورسم منهجها ورفع من شأن الداعين لها ووجه الرجاء إلى جني ثمرتها، وذلك في قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله) فهذه الآية الكريمة تقرر حقيقة من الحقائق الثابتة (إنما المؤمنون إخوة)، وبالتالي فليس للمسلمين بعد هذا الحكم الإلهي أن يسيروا إلى هدف يخالف هذا الهدف، ولا أن يخرجوا عن مقتضيات هذه الأخوة لأي سبب من الأسباب، ومن ثم فإن فكرة التقريب في أساسها ومنهجها وثمرتها دعوة إسلامية خالصة.

لكن هل دعوة التقريب بين المذاهب تعني توحيد المذاهب الإسلامية؟

التقريب بين المذاهب لا يعني أبدا توحيد المذاهب الإسلامية أو إلغاءها أو تغليب مذهب على مذهب آخر، ولا تعني صرف أي مسلم عن مذهبه، ففكرة التوحيد أو إدماجها عمل ضد العقل وضد طبيعة البشر، كما أن صرف المسلم عن مذهبه تحت شعار التقريب تضليل، أيضا فكرة التقريب كما بينها روادها وكما يجب أن تكون تذكيرا للمسلمين بنقاط الوفاق بينهم وهى كثيرة كما أنها في أصول الدين وثوابته.

أما نقاط الخلاف فهي فرعية ولا ينبغي أن تسبب تباعدا أو شقاقا، ولذلك فإن الاجتماع على فكرة التقريب يجب أن يكون أساسه البحث والإقناع والاقتناع؛ حتى يمكن بسلاح العلم والحجة محاربة الأفكار الخرافية الطفيلية التي لا تعيش إلا في ظل الأسرار والأجواء المظلمة.

هل ترى أن الدعوة إلى التقريب بين المذاهب لو نجحت تأتي بثمارها في تدعيم الوحدة الإسلامية رغم الخلافات المذهبية؟

التقريب كما نفهمه دعوة إلى التعرف على وجوه الاتفاق والالتفاف حول مواضع الاتحاد والقوى ومعالم الأخوة التي تربط بين المسلمين، وأن يلتقي علماء المذاهب ليتبادلوا المعارف والدراسات ليعرف بعضهم بعضا، وذلك لأن فكرة التقريب بين المذاهب في ضوء الفكر المستنير المستقيم الراشد والتي اجتمع عليها دعاة التقريب فكرة حوارية علمية تعتمد على الاجتهاد والحجة وتمقت التعصب والتشرذم والانغلاق وترحب بالرأي مادام يعتمد على المنطق والدليل، وهى فكرة تدعم الوحدة الإسلامية.

وليس غريبا أن يكون عرض الخلافات المذهبية عاملا في تدعيم وحدة المسلمين؛ لأن ذلك يتماشى مع ما كان عليه أصحاب المذاهب المختلفة من التقدير المتبادل وذم التعصب للرأي، وأقوالهم في ذلك معروفة فضلا عن الأحاديث العظيمة التي وردت في هذا الشأن والتي تدعو كل مجتهد لأن يبذل الجهد وهو مأجور عليه بإذن الله تعالى، فإن المجتهد إذا أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد.

وإن هذه القاعدة تدفع دفعا إلى الحوار ونبذ الفرقة وتقبل الرأي الآخر بالانتفاع والاجتهاد أو المخالفة وهي الأصول المعروفة لدى المسلمين جميعا، فلا ينبغي أن تطغى العصبية المذهبية على المسلمين، بل الواجب أن يأخذوا بما أظهر بالبرهان صوابه وأن تكون الرغبة الصادقة في الوصول للحق، وقد اتجه كثير من علماء المسلمين الأفاضل نحو الدعوة إلى نبذ الفرقة وتوحيد كلمة المسلمين.

من وجهة نظرك ما مستقبل الحوار بين الأديان خاصة بعد الإساءات المتكررة للإسلام ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم سواء كانت هذه المسألة من جانب الفاتيكان أم الصحافة الدنماركية والأوروبية أم المتعصبين المسيحيين؟

الحوار بين الأديان بالنسبة لنا نحن المسلمين هو أساس في علاقتنا مع غير المسلمين، وديننا الإسلامي أمرنا بالحوار مع المخالفين لنا في العقيدة؛ لأنه لا سبيل لتحقيق التفاهم والتعايش والتعاون إلا بالحوار، لكن التعاون بين الأديان والملل مر بمراحل مختلفة، إذ كان التعصب الديني والمذهبي بدايتها.

وهو ما كان يقود إلى التعنت والتصلب في العلاقات بين معتنقي الأديان وأتباع المذاهب، وهو ما كان يقود في أحيان إلى الحروب، لكن تبدل الموقف في العصور الحاضرة إلى نبذ هذا التعصب والتطرف وتبني الحرية الدينية والتسامح والتساهل في الاعتناق.

وكان هناك من مؤيدي فكرة التقارب بين الأديان وطرح الحوار المشترك، إلا أن الظروف العصيبة والمتغيرات الجارفة في الوقت الراهن المتمثلة في الظلم والاعتداء الصارخ على الإسلام والمسلمين خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تقتضي من حكماء وعلماء هذه الأمة أن يضاعفوا الجهود من أجل إبراز سماحة الإسلام وعدالته وشموليته التي تسع الزمان والمكان، وتوفر للعالم كل السلام والاستقرار والمتضمنة لكافة الحلول التي من شأنها أن تخرج العالم من الهوة السحيقة التي أشرف على الانحدار إلى قاعها.

فالسلام العالمي لا يمكن أن يتحقق أبدا مادام هذا الظلم للإسلام باقيا ومستمرا على ما هو عليه، ولا شك أن الحروب الصليبية قد تركت رواسبها وآثارها في نفسية الكثيرين من الجانبين الإسلامي والمسيحي، وخلفت وراءها كما هائلا من التعصب عبر قرون عديدة، ولعل أسوأ ما خلفته هذه الحروب هو ظهور طليعة من المفكرين المتعصبين الأوروبيين الذين صبغوا التاريخ والعلاقات بين الإسلام والمسيحيين بهذه السخائم النفسية، التي لونت هذه العلاقات.

وأقامت حاجزا بين أوروبا والعالم الإسلامي، وإن تركت الغالبية في أوروبا وأميركا أولئك الذين يعيشون على الماضي ومرارته بأن يصنعوا الحاضر فإنهم بالقطع سيشعلون النار في كل مكان، بل يحرقون أنفسهم بأيديهم ويدمرون ما صنعته الحضارات الإنسانية في حاضر العالم، وما لم يتحرك العقلاء لكبح جماح هؤلاء المتعصبين فإنهم سوف يدمرون العالم، ولن يستطيعوا حماية أنفسهم هم ولا منجزاتهم.