الاشتغال بالتجارة عمل ضروري لا غنى للناس عنه، وقد رغب الإسلام في التجارة وحثّ على العمل بها لجلب الخيرات وإيجاد ما يتوقف عليه المعاش وما يحتاج إليه الناس.
وقد اشتغل المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه بالتجارة وكبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
والتجارة عمل متصل بالأخلاق من قبل أن تكون مجرد وسيلة لكسب المال. روي عن أبي إمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »إن التاجر إذا كان فيه أربع خصال طاب كسبه، وإذا اشترى لم يذم، وإذا باع لم يمدح، ولم يدلس في البيع ولم يحلف فيما بين ذلك« رواه الأصبهاني وهو غريب.
ورواه أيضاً هود البيهقي من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه ولفظه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم يمطلوا الرأي لم يؤخروا السداد، وإذا كان لهم لم يعسّروا«، والتاجر الصدوق هو الذي يصدق في إظهار العيب إن كان في السلعة وفي تقديره لثمنها بما يرضي الله عز وجل، ولا يغالي في ثمنها مستغلاً حاجة الناس إليها في شهر رمضان.
والمسلم الحكيم هو الذي يقدم النصيحة في رفق لمن يتعامل معهم في السوق، وإذا وجد السلعة تباع بثمن مرتفع مع وجود عطب بها، ويبين لهم أن هذا الصنيع يمحق البركة في الكسب ويبين لهم هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيع والشراء.
روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السوق فرأى طعاماً مضبراً (أي مجففاً يعيش زمناً) فأدخل يده فأخرج طعاماً رطباً قد أصابته السماء، فقال لصاحبها: ما حملك على هذا؟ قال: الذي بعثك بالحق إنه لطعام واحد، قال: أفلا عزلت الرطب على حدته واليابس على حدته، فتتبايعون ما تعرفون من غشنا فليس منّا. رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد.
وإذا وجد المسلم الناصح لأخيه التاجر صداً وإعراضاً قوله وارتفع صوته بعبارات التأنيب عليه أن توضح له ضرورة الصدق مع الله ومع الناس وأن الخير كل الخير في الابتعاد عن الغضب ومسايرة الشيطان.
روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »المؤمنون بعضهم لبعض نصحة وأدّون لرأي متناصحون متوادون والإخوة رابطة توجب لكل منهما على الآخر حقوق يجب الوفاء بها منها عدم ظلمه وعدم غشه« وأدون وإن بعدت منازلهم وأبدانهم والفجرة بعضهم لبعض غششة (أي مدلسون خائنون لا ذمة لهم ولا أمانة) (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون). بعضهم لبعض عششة متخاونون وإذا اقتربت منازلهم وأبدانهم. رواه أبو الشيخ بن حبان في كتاب التوبيخ.
الإسلام يرسم منهجاً تربوياً عالياً للتاجر ليكون إنساناً شريفاً طاهراً قنوعاً لا تدفعه الرغبة في الكسب إلى نسيان أن يؤدي خدمة كريمة لإخوانه، ويتعامل مع أطراف متعددة، لذا ينبغي أن تقوم العلاقة بينهم على الوضوح والرغبة في الخير. قال الإمام السمرقندي: من أراد أن يكون كسبه طيباً فعليه أن يحفظ خمسة أشياء، أولها: ألا يؤخر شيئاً من فرائض الله تعالى لأجل الكسب، ولا يدخل النقص فيها. والثاني: ألا يؤذي أحداً من خلق الله تعالى لأجل الكسب. والثالث: أن يقصد بكسبه استعفافاً لنفسه ولعياله ولا يقصد به الجمع والكثرة.
حامد واكد