عندما عرض عليها الزواج لم تمانع فهي تعرفه جيداً حيث أنهما يعملان في الشركة ذاتها بل وفي المكتب ذاته لكن شرطها الوحيد كان أن يستمر ابنها بالعيش معها فهي لاتستطيع أن تستغني عنه، فهذا الولد ثمرة زواجها من زوجها الأول الذي مات في حادث سيارة.

لم يتردد (ر) بالقبول بالشرط لكنه اشترط عليها هو أيضا أن يبقي زواجهما سراً وذلك كي لا تعرف زوجته وأولاده، فيغضبون منه كما أن مركزة الاجتماعي لا يقبل أن يكون في وضع كهذا فقد تجاوز الـ (57) من عمره.

عقد القران

كان (ر) اتفق مع (س) أن يبقى زواجهما سراً وأن تبقى هي وابنهما في شقتهما كالعادة ولكن يأتي لزيارتها متى سنحت الفرصة لذلك.

بذلت الأم جهوداً كبيرة لإقناع ابنها بالزواج وأخيرا اقتنع عندما عرف بأن القادم الجديد سيشتري له جهاز كمبيوتر جديداً وهاتفاً نقالاً حديثا وسيعطيه مصروفا شهريا لا بأس به، فرح (أ) كثيرا بهذه الاشياء وذلك لأنه صغير السن فعمره لا يتجاوز الـ (9) سنوات.

تم الزواج بدون أية مراسم تذكر، وليلة الدخله ذهبت العروس وزوجها إلى أحد الفنادق فيما نام (أ) ليلته تلك عند إحدى صديقات والدته. كانت زيارات (ر) قليلة لشقة زوجته الثانية حيث كان يفضل أن يراها بعيداً عن أعين ابنها وذلك خشية أن ينطق الابن بأية كلمة قد تكشف سر الرجل، لذا كان (ر) يفضل أن يلتقي بزوجته في أحد الفنادق، لذا لم يشعر (أ) بأي تغيير في حياته أو حياة والدته فالرجل لم يأخذ أمه منه بل على العكس من ذلك فإن اللحظات التي كان يأتي فيها لزيارتهما كان يغدق عليه بالهدايا والنقود.

مرت السنون وكبر (أ) وأصبح عمره (14) عاما وبدأت علامات المراهقة تظهر على تصرفاته، فقد أصبح له (شلة) من الأصدقاء يسهر معهم ويذهبون معا إلى السينما كانوا جميعا من ذات الصف الذي يدرس فيه (أ).

في أحد الأيام أخبرته والدته بأنها استغلت عطلة نصف السنة وستذهب هي وزوجها إلى دولة مجاورة لقضاء بعض الأيام هناك وأن عليه أن يستعد للسفر معها.

سارت الأمور وعندما وصلوا إلى جهتهم كانت هناك غرفتان محجوزتان في أحد الفنادق إحداهما لـ (أ) والأخرى لوالدته، وزوجها. عندما أحس (أ) بأن والدته ستنام مع رجل آخر شعر بحزن شديد وأحس لأول مرة بأنه يتيم فخلال السنوات الماضية من زواج والدته لم يحدث أن جاء زوجها ونام معها في شقتهم، من هنا أحس (أ) بأن شيئا غريبا يحدث في حياته لأول مرة، وأحس بأن والدته تضيع منه وأن وجودها مع الرجل (غريب) أمر غير مألوف ويجب وقفه.

لم ينم (أ) طيلة تلك الليلة فقد أحس بأن رجولته أهينت وهو يرى والدته تنام في غرفة مغلقة الأبواب مع رجل آخر غير والده.

بدأ (أ) يتصل بأصدقائه في (الشلة) الا أنهم حاولوا إقناعه أنه من الطبيعي أن يتواجد رجل وزوجته في غرفة مغلقة الأبواب، لكن (أ) لم يقتنع، لذا عندما شاهد والدته في الصباح طلب منها العودة فورا إلى شقتهما، الا أن والدته وزوجها رفضا ذلك، حاولت الأم معرفة السبب وراء غضب ابنها إلا أنه لم يكشف لها عما يدور في ذهنه.

لاحظ (أ) بأن زوج أمه يضع يده على كتفها وفي إحدى المرات شاهد يد الزوج تتسلل إلى جسدها هنا ثار في وجه الزوج وطلب منه أن يترك والدته وشأنها، وعندما لم يستجب الزوج لذلك وجه إليه (أ) لكمة على وجهه، فما كان من الرجل إلا أن صفع (أ) على وجهه، تدخلت المرأة وأنهت الخلاف بين زوجها وابنها وفي اليوم الثاني كانوا جميعا قد عادوا من حيث أتوا.

بدأت الأمور تتأزم بين (أ) ووالدته، وعندما عاتبها أخبرته بأن زوجها قرر عدم الحضور إلى الشقة وأن يلتقي معها في بعض الفنادق، وذلك حتى لا يرى (أ) ويحدث ما لا يحمد عقباه.

حاولت المرأة أن تهدئ من غضب ابنها وأن تقنعه بأن يقبل بالأمر الواقع وأن يعامل زوجها وكأنه والده لكن (أ) بقي مصراً على رفضه لهذا الرجل الذي أخذ مكان والده.

الخطة

أخذ (أ) يفكر في الخلاص من زوج أمه بأية طريقة فلم يعد يحتمل أن يرى رجلاً غريبا يداعبها أمامه حتى ولو كان زوجها فهذه المرأة التي هي أمه كان يجب أن تحافظ على مشاعره ولا تسمح لرجل غريب أن يدخل بيتها وحياتها.

وصل به التفكير في أن يقتل والدته لكنه تراجع فهو يحبها لكنه لا يريد رجلا غير والده أن يكون في حياتها ثم إن مشاعره كمراهق أصبحت تحتم عليه أن يحمي والدته باعتباره هو رجل البيت، لذا فكر جديا في الخلاص من زوج أمه، وذلك بإقناعها بطلب الطلاق، لكن والدته رفضت الفكرة معللة له بأنه صغير وهي بحاجة إلى رجل يحميها ويدافع عنها.

وجد (أ) بأن إقناع والدته بأن تطلب الطلاق أمر صعب لذا قرر قتل زوجها وليكن ما يكون حتى ولو أدى ذلك إلى دخوله السجن أو حتى إعدامه.

بدأ (أ) يخطط لعملية القتل فكان أن قرر قتل الرجل بالسكين، لكنه قارن بين جسمه وجسم الرجل فوجد الفارق كبيراً، فزوج أمه رجل ضخم الجثة وقوي البنية، وقد لا يستطيع أن يقتله بالسكين من أول طعنة، وهذا أمر وارد لذا فإن الموضوع كله قد ينقلب ضده ويموت هو، لذا بدأ يفكر بطريقة أخرى تخلصه من زوج أمه ويكون هو في مأمن من أية نتائج قد تجلب له الأذى.

كانت خطة قتل الرجل تأخذ كل وقت (أ) حتى أنه لم يعد يذاكر دروسه، وبدا منزوياً عن أصدقائه في «الشلة» وعندما كان أحدهم يتقرب منه لمعرفة سبب شروده والحزن الذي هو فيه كان (أ) يلوذ بالصمت ولا يتكلم.

في أحد الأيام بينما كان (أ) في حصة الفيزياء في المختبر أمسك مدرس الفيزياء بيده أنبوباً من الزجاج وقال للطلاب إن هذا السائل الذي في الأنبوب ثقيل جداً وهو مضر للغاية فلو لامسه أحد بيده فإنه قد يموت، أما إذا دخل هذا السائل في اللعاب أو ابتلعه أحد عن طريق الطعام فإنه يموت بالتأكيد لأنه سام جداً، وحذر المدرس الطلاب قائلاً إن هذا السائل بأنبوبه الزجاجي موجود في بيوتنا جميعاً فلا يكاد يخلو منه بيت لأنه مهم جداً في حالات المرض.

أخد (أ) هذه المعلومات واعتبرها كنزاً ثميناً يجب المحافظة عليه حتى يستخدمه عند الحاجة، لذا بدأ يخطط كيف يضع السائل في طعام زوج أمه حتى يتخلص منه.

وللوصول إلى هذه النتيجة كان لا بد لـ (أ) أن يرى زوج أمه في مكان يستطيع فيه دس السائل للرجل، لذا فكر في أن أفضل طريقة هي أن يأتي زوج أمه إلى الشقة عندهم عندها فقط يمكن أن ينفذ خطته.

بدأ (أ) يسأل أمه عن زوجها مدعياً أنه اشتاق إليه ويريد أن يراه، وأنه نادم على كل ما صدر منه.

شعرت المرأة بسعادة كبيرة لهذا التغير الذي حدث في حياة ابنها وطلبت من زوجها أن يعاود الحضور إلى الشقة كلما سنحت له الفرصة لذلك.

بدأ الرجل يتردد على شقة زوجته متحيناً فرصاً يكون فيها (أ) خارج الشقة، وكان (أ) يعرف أن الرجل يزور الشقة في غيابه، ويستشيط غضباً لذلك، من هنا بدأ تنفيذ الخطة وهي الخلاص من زوج أمه.

في أحد الأيام جاء الرجل بأطعمة من الخارج كان من بينها أطعمة بحرية ولأن (أ) يعرف أن زوج أمه يحب هذه الأطعمة فقد كانت الفرصة مواتية لأن يضع من السائل المميت على إحدى الأسماك بحيث تكون أمام الرجل مباشرة.

كان (أ) متحفزاً لأي شيء، فهو لن يأكل من السمك وكان على استعداد لأن يعمل المستحيل من أجل ألا تأكل أمه من السمك أيضاً، عندما وضع الطعام انشغلت المرأة بتناول المقبلات والسلطات في حين بدأ الرجل بأكل السمكة التي أمامه ولم يتوقف حتى أصبحت هيكلاً عظمياً.

ما كاد الطعام يستقر لدقائق في معدة الرجل حتى بدأ يتلوى من الألم فما كان من زوجته إلا أن اندفعت به نحو المستشفى، وبدأت الفحوصات الأولى حيث تبين للطبيب بأن كمية من سائل «....» دخلت إلى أمعاء الرجل ومعدته عن طريق الطعام، لذا أمر الطبيب بإجراء عملية غسل معدة.

كان وضع الرجل حرجاً ويزداد سوءاً شيئاً فشيئاً، تم إخطار الشرطة التي قامت بالتحري وكان أول شيء فعلته الشرطة هو تحويل الطعام إلى المختبر الجنائي لمعرفة كيفية وصول السائل إلى الطعام، فقد كانت كل الاحتمالات تشير إلى أن السمك قد يكون ملوثاً بهذا السائل، لكن المفاجأة كانت أن تقدير المختبر الجنائي أشار إلى أن الطعام سليم وليس فيه أي نسبة من سائل «...».

كان الرجل يعاني الكثير داخل غرفة العناية المركزة وأخيراً جاء التقرير ليشير إلى أنه توفي سريرياً وأن الأمل في شفائه أصبح شبه مستحيل، أصبحت الأجهزة الأمنية مقتنعة بأن هناك جريمة قتل وراء ذلك وأن أحداً وضع هذا السائل على السمكة التي تناولها الرجل.

في اليوم الخامس لوجوده في غرفة العناية المركزة مات الرجل. وهنا طلبت الجهات الأمنية تشريح الجثة وبعد اتخاذ الإجراءات القانونية وموافقة ذويه تم تشريح الجثة حيث تبين أن نسبة السائل عالية جداً في جسمه وأن الآثار لا تزال موجودة على جدران المعدة والأمعاء رغم أنه تم غسل معدته إلا أن وجود هذه النسبة العالية في جسمه كانت تدل على أن أحداً وضع له السائل لقتله، والخلاص منه.

كانت عملية البحث تتركز على (أ) ووالدته، بدأ الضابط يسأل من أجل أن يتوصل إلى معرفة الحقيقة لكن كل الأجوبة التي كان يتلقاها من (أ) ووالدته لم توصله إلى طرف الحقيقة.

بعد أن عاد (أ) من مركز التحقيق كان يرتجف من الخوف، وأخيراً اعترف لوالدته بأنه هو الذي وضع السائل على السمكة التي تناولها الرجل.

كان (أ) يتحدث مع والدته وهو يبكي ويقول لها لقد أردت أن أبعده عنك لأنك أصبحت تحبينه أكثر مني ولأنك سمحت له بأن يلمسك فكيف أرى وأتحمل ذلك وأنت والدتي، لقد كنت أموت من القهر والمعاناة النفسية عندما أتذكر والدي ثم أرى هذا الرجل يحتضنك ويقبلك فقد رأيت ذلك أكثر من مرة وأنتما تشاهدان التلفزيون، وفجأة بدأ (أ) يصرخ ويقول لماذا فعلت ذلك يا أمي لماذا خنت والدي.

وكانت المرأة تستمع إلى ابنها وهي مصابة بذهول كبير فهي تريد الآن أن تحمي ابنها بأية طريقة، فليس من المعقول أن تخسر ابنها وزوجها معاً.

أخذت المرأة تهدئ من روع ابنها وطلبت منه ألا يذكر ذلك نهائياً أمام الشرطة إذا عاودوا استجوابه. في اليوم التالي تم استدعاء (أ) ووالدته إلى التحقيق، بدت المرأة خائفة وشاردة الذهن وغير مركزة على الأجوبة، فقد كانت كل حواسها تتركز على موضوع واحد هو إنقاذ ابنها من هذه المصيبة التي حلت فوق رأسه ورأسها.

رأت المرأة أن أفضل طريقة لحماية ابنها هي الاعتراف بأنها هي التي وضعت السائل على السمكة فقد أرادت أن تعترف قبل أن يستجوبوا ابنها للمرة الثانية، فقد كانت متأكدة بأن خوفه سيكشفه أثناء التحقيق.

بدأت المرأة اعترافها قائلة إن زوجها أخذ يسيء معاملتها بعد المشاجرات التي وقعت بينه وبين ابنها وأنها طلبت منه أن يطلقها ويتركها وشأنها هي وابنها إلا أنه رفض ذلك ما زاد من غضبها وحقدها عليه.

وأضافت المرأة أن ابنها بدأ يفقد أعصابه، ولا يركز في دراسته بسبب وجود هذا الرجل في حياتهما، لذا لم يكن أمامها إلا طريقة واحدة وهي التخلص منه، وعندما سألها الضابط عن كيفية الحصول على السائل أخبرته بأنه كان عندها وأنه موجود في كل بيت، هنا سألها الضابط كيف وضعت السائل فقالت لقد وضعته على كل الطعام حتى أتأكد من أن الزوج سيموت حتماً لأنه سيأكل من الطعام كله لا محالة.

هنا ضحك الضابط ضحكة تحمل الكثير من المعاني وقال للمرأة: لقد جاء اعترافك لأنك تريدين حماية شخص آخر، لذا من الأفضل لك أن تعترفي من هو الشخص الذي تريدين حمايته، لكن المرأة بقيت مصرة على موقفها باعتبار أنها هي التي وضعت السائل على الطعام.

هنا قال لها الضابط أنت تكذبين لأن التقرير الذي تسلمناه من المختبر الجنائي أفاد بأن الطعام كان سليماً وليس فيه أي جزء من السائل، فكيف تقولين إنك وضعت السائل على الطعام كله، فالسائل لم يكن إلا على السمكة التي تناولها زوجك.

تقدم الضابط من (أ) وبدأ استجوابه حيث كانت كل الشكوك تدور حوله، وأخيراً اعترف بأنه هو الذي وضع السائل على السمك التي تناولها الرجل.

تم احتجاز (أ) ولأول مرة في حياته يشعر بالخوف الحقيقي، فقد أصبح محاطاً بأشخاص لا يعرفهم وينام في مكان لم يألفه، عندما جاءه الحارس ليقدم له الطعام رفض فقد كان ينادي بأعلى صوته «أريد أمي.. أمي أرجوك لا تتركيني وحدي».

أثناء المحاكمة بدا (أ) شارد الذهن وتبدو عليه علامات الخوف والقلق والضياع، وعندما كان القاضي يسأله عن شيء كان يرد عليه قائلاً «أريد أمي.. أريد أمي» لم تنته المحاكمة إلا وقد أصيب (أ) بانهيار عصبي، تم نقله إلى المستشفى وهو يهذي ويقول أنا لم أكن أريد قتل الرجل كنت أريده فقط أن يترك أمي لي ولا يأخذها مني.. كنت أريده أن يترك أمي وشأنها ولا يلمسها بيده.

أمر القاضي بسرعة علاجه ثم إيداعه في مركز الرعاية الاجتماعية فهو لا يزال حدثاً ولم يبلغ السن القانونية.

إعداد ـ أحمد سلطان