«شو ها الريحة».. قالتها شقيقته بأسلوب ترفع وازدراء تعودت عليهما منذ أن رأته أول مرة منذ ثلاثة أشهر، فشقيقها الذي لا يعرف من العربية غير بعض الكلمات البسيطة ومن ضمنها اسمه «راشد»، غريب عنها رغم صلة الدم من الأب التي تربطهما والتي اكتشفتها منذ عام واحد فقط، إلا أن هذه الصلة الوراثية لم تحنن قلب الفتاة على ابن والدها، الذي واجه منذ قدومه لوطنه إشكالاً وأنواعاً من نظرات وكلمات التحقير والازدراء المسموعة والمستترة.
تحول حلم راشد الجميل بالعودة إلى وطنه واجتماعه بعائلته البعيدة إلى كابوساً فظيعاً نسجته النظرة الدونية التي تعامل بها أهله وأشقائه معه، نظراً لنشأته الغريبة عنهم وثقافته الآسيوية الكاملة، فلم يعرف غير بلاد أمه التي حملت به خلال فترة زواج والده بها والتي لم تتعدى الشهر الواحد، مقابل أموال بسيطة انتشلت عائلتها من الفقر المدقع إلى الفقر البسيط، وضمن لهم حملها فيما بعد مصروفاً شهريا يسد رمق جوعهم.
كبر «راشد» وهو يحلم باللحظة التي يُعبر فيها عن حبه لوالده وإخوانه الذين استفاض خاله الذي عمل سائقاً لديهم في الدولة بالحديث عنهم، فرغم طيبة أهل والدته وأهل الحي الفقير في التعامل معه، إلا أن هذا الحب والمشاعر لم يرقيا لدرجة التغلغل التي يتعاملون فيها مع بعضهم البعض، فهو الغريب ذي الدماء العربية ابن التاجر الكبير المعزز باسمه المختلف «راشد»، رغم تشابه شكله ولغته وثقافته وأخلاقه معهم ومع أبنائهم. لقب الغريب لم يتركه يوما حتى في أحضان وطنه.
كما ظن في يوم من الأيام، فقد ترك بلاد والدته التي لم يسمح لنفسه باعتبارها وطنه إخلاصاً منه لموروثاته العائلية، فاحتفظ بعواطفه ليغدقها على أهله ليفاجئ بجدار الصد والنكران منهم منذ اللحظة الأولى لوصوله، والتي ذاد منها نظراته المصدومة استهجانهم لتصرفاته الصامتة، وطبائعه وتعاملاته التي لم يعرف عنها بديلاً.
ورغم محاولاته التقرب والتفهم إلا أن سور الرفض أبى إن ينزاح من قلوب ونفوس أقرباء دمه، لتتحول حياته إلى جبل جليد لا يدفئها إلا رائحة التوابل من مطبخ البيت التي تذكره بحنان أهل والدته، والخادمة التي دأبت على مواساته وتشجيعه على التقرب من أهله وتفهمهم واستيعاب رفضهم له بحكم السنوات الكثيرة التي قضاها في ارض أمه، وتشجيعه على تعلم اللغة والاقتداء بهم في تصرفاتهم وملبسهم وحديثهم كي يصبح فرداً منهم.
إلا أن انتهاجه لهذه الثقافة واللغة العربية لم يزده إلا ابتعاداً عن عائلته واقترابا من الخادمة، فقد كشفت له اللغة سطحية عائلته وتفاهة تفكيرهم وازدواجية نظرتهم إلى الآخر لمجرد اختلافه عنهم رغم تعليمهم العالي والرفاهية التي كبروا فيها، والثقافة التي ورثوها عن أجدادهم والتي لم تلامس أرواحهم وقلوبهم، بل كانت مجرد رداء يتباهون فيه بين الناس.
بينما أصابت روح الثقافة والقيم قلب ونفس الخادمة التي اتخذت العطاء والنصح والمحبة شعاراً لها في تعاملاتها معه ومع غيره، متسلحة بقيم الدين الإسلامي التي استغلت تواجدها في الدولة لتعززها في نفسها وسلوكياتها.
ودعهم باسماً.. مسامحاً.. غافراً.. فقد اكتفى بابتسامتهم نظرة الراحة التي أهدوها له ولزوجته الجديدة «الخادمة» بمجرد أن علموا قراره بالعودة إلى أرض والدته، فمشكلتهم معه ليست بكرهه بل الخجل من تقديمه للمجتمع بسبب اختلافه عنهم، لنشأته الغريبة في ارض ظنها غريبة عنه لكنها كانت ومازالت وطناً له رغم اكتشافه المتأخر للأمر.
رباب جبارة
