آمال قاربت على الرحيل، ونار الحسرة والألم مازالت مستعرة منذ 4 سنوات عندما أنجز البيت الذي انتظرته الأسرة طويلاً، لكن ضيق اليد والفقر المدقع الذي تمر به حال دون انتقالها إلى مسكنها الجديد، ولم تجد سوى غرفة صغيرة للخادمة ليركنوا بها أحلامهم وأمنياتهم التي شارفت على الرحيل.
كان رب الأسرة ذا السبعين عاما، ينظر إلى البيت من واجهته الخلفية.. كان يحلم دائما بأن يطل من شرفته في الطابق الثاني ليرى بساتين النخيل والمانجا المحيطة بالمنطقة، كانت السعادة تغمره أحيانا، لأنه يملك البيت، ولا احد سواه، وأما الانتقال إليه وضم أسرته المكونة من 5 أشخاص مسألة وقت ليس إلا، ولازال أملا لم ينته.
وحلما ورديا لم تنته فصوله، فاليوم الذي ستلتئم فيه الأسرة التي فرقها الفقر ومزقتها الديون، وتنتقل إلى بيتها الواسع بغرفه الرحبة الذي حصلوا عليه ضمن مشاريع زايد للإسكان ما زالت تراودهم ليلا نهارا منذ 4 سنوات.
قصر اليد وقلة الحيلة جعلاه يعيش هو وزوجته الستينية وابنتاه في الحجرة الملحقة التي من المفترض أن تكون للخادمة، فالأسرة تتقاضى 3000 درهم من الشؤون الاجتماعية، وهذا المبلغ بالكاد يكفي لتدبير أمورهم المعيشية الأساسية، وتحمل تكاليف الحياة التي زادت وأكلت الأخضر واليابس، وبالكاد تسير مصاريف الحياة اليومية بين الأكل والشرب والكهرباء.. وغيرها.
أما ابنهما الوحيد فهو متزوج وأب لطفلين في إحدى المؤسسات الحكومية، وعليه سداد 400 ألف درهم من الديون، ويقف عاجزا عن تقديم أي شي للأسرة، وبالكاد يستطيع تحمل إيجار المسكن الذي يقيم به وأسرته، أما ابنتاه فقد انهتا الصف الثاني الثانوي وبحثتا عن عمل في كل مكان لإعالة الأسرة ولكن بلا جدوى.
في يوم استيقظ كعادته في الصباح الباكر، ينظر إلى البيت يتفقده يحاول اكتشافه من جديد لعله يجد غرفة مهيأة لاستقبال الأسرة، لكن دون جدوى فعاد إلى مقعده متأملا الشرفة المطلة على أشجار النخيل والتي قرر بأحلامه أن تكون له.
وإذا بمن يطرق الباب، قامت البنت الصغرى بفتح الباب، وإذا برجلين مواطنين، يحملان معهما الأمل، عرفا بمأساة الأسرة من أهل الخير ولم يصدقا الظروف المعيشية الصعبة التي تحملتها الأسرة صابرة محتسبة أمرها لله، على أن تطلب مساعدة الآخرين، فتبرعا بأثاث كامل مكون من 5 غرف نوم، وغرفة جلوس وعشرة مكيفات وسجاد وستائر وأجهزة كهربائية، وأدوات للمطبخ بمبلغ 37 ألف درهم.
جاء طوق النجاة للأسرة، وجاء الخير من أوسع أبوابه، وهب أيضا احدهما بتوفير وظيفة مناسبة للابنة الكبرى في إحدى المؤسسات التي يديرها، وقام بتقديم مبلغ شهري إلى رب الأسرة عن طريق أحد البنوك، لتلتئم أركان الأسرة أخيرا، فقد جاء اليوم الذي سيدخلون فيه إلى بيتهم الذي طالما حمل أحلامهم وأمانيهم، وينفضوا عن أنفسهم الرمال التي تراكمت جراء تعاقب 4 سنوات من الهجر، ويمسحوا آثار الحسرة التي تعاقبت كل هذه السنين.
فراس العويسي
