الترحال بطل الحكاية.. ومجدداً هو السيد في قصص الفراق.. والمحرض لدفقات الحنين.. وقاتل أي مشاريع للوصال بما تتوق إليه الخطط والأماني من حب مشروع.. وحنان فطري وأده البعد.. وحجبت شمسه المسافات.. في زمن بطيء جداً! تستغرق تبعات الترحال فيه عمراً بشرياً.. وتحتاج لملمة الجروح سعي جيل آخر.. لكفكفة الدموع.. والعودة إلى الالتئام مجدداً.. في لحظات الأفول.
أحداث الترحال تسود في زمن بعيد من قرن مضى، قبل ظهور بوادر المدنية، وقبل أن تعصف التقنيات بالحياة.. وتقرب البعيد، وتبعد القريب متجاوزة مفعول السحر.
عاش الإخوة في كنف الأسرة.. وفي ظل البيت «العود»®. بيت التاجر بو محمد.. أحد وجهاء القبيلة وشيوخها.. وكما جرت العادة في ذلك الزمان.. كان التكافل الاجتماعي وجهاً واضحاً.. وملمحاً لا يختلف عليه اثنان.. كان لبومحمد بيت في المدينة، وآخر في أطرافها.. وزوجة هنا.. وأخرى هناك.. وأولاد وبنات..
ورزق وفير.. ومزارع ودكاكين.. وخير يجود ليشمل الأسرة والأبناء.. ويفيض متجاوزاً أطراف العائلة طارقاً أبواب المحتاجين والمتعففين.. مطهراً الأموال.. مداوياً المرضى.. متكاثراً بالصدقة.. لأن النعم تستوجب الشكر.. والشكر عند بو محمد يزيد من بركة الرزق.
للتاجر خمسة من الأبناء من زواجين متزامنين، محمد وراشد.. وسعيد الذي توفي بالحصبة بعد سنواته العشر، وعلياء وأصغرهم فاطمة، حرص دائماً على تواصلهم، والتقائهم.. رغم عيشهم في بيتين منفصلين، إلا أن «المقيظ» يجمعهم صيفاً في البيت العود.. حيث استفاق الأولاد على ضرورة العمل في الصغر، واتباع نهج الوالد.. بينما تم تجنيد الفتيات للعمل المنزلي، والاكتفاء بحفظ قصار السور من القرآن الكريم على يد مطوعة الفريج «عفرا».
تجاوزت السنين أحلام العائلة الكبيرة بالمزيد من الفرح البسيط.. وبعثرت أفرادها كلاً في طريق، توفي الشايب بومحمد.. تاركاً وراءه إرثاً توافق الأبناء على إدارته، سافر سعيد إلى قطر، حيث تولى إدارة أعمال الوالد القائمة هناك، تزوج وأسس عائلةً انقطعت أخبارها بمجرد غياب حلقة الوصل.. بقي محمد مثقلاً بهموم العائلة، مسكوناً بالمسؤولية، فتقرر تقسيم التركة.. القرار الذي كان الفصل الأول في حكاية الترحال.
رحل محمد مع والدته إلى أطراف المدينة، وإلى حيث تنتمي والدته، تزوج وأنجب ابناً وحيداً لم يعرف من أفراد عائلة البيت العود سوى أطيافاً سردتها حكايات محمد.. والجدة شيخه.. سمى محمد ابنه البكر على والده «علي»، تيمناً بذلك الشايب الحكيم.. وحفظاً لذكراه التي تشتت.. بين قلب المدينة، وذاكرة أطرافها.
بينما تزوجت علياء من ابن خالها.. ولحقت بها فاطمة أيضاً إلى بيت الخال.
الآن.. لم يبق من العائلة سوى فاطمة التي رزقت بسالم.. رحلوا جميعاً صامتين عن التواصل، راشد الذي غابت ذكراه في غير وطنه، ومحمد الذي ترك ابناً لم يدر أن له عمةً تنتظر أن يجمعها الله بشيء من رائحة البيت الكبير.. بينما توفيت علياء بعد حياة طويلة في كنف أسرة سمت أفرادها بأسماء أفراد البيت «العود»®. لعلها تستحضر ما تبقى من فرح كان سائداً.
بقيت فاطمة منتظرة.. موعودةً برؤية علي بن محمد، فهو اسم على مسمى، خير خلف للوالد علي، درس علي في الخارج، والتحق بمهنة تجند فيها لخدمة الوطن.. ذاع صيت ذلك الرجل وملأت صوره الجرائد.. لم تهدأ فاطمة عن حلمها برؤية علي، ولم تدخر جهداً في حفظ أي قطعة من جريدة، تحمل صورته، وكأنها قطعة من القلب تنطوي على سرور قديم، لم تنجح محاولات عدة وعدت بها فاطمة لرؤية علي.. فالحياة تزداد اتساعاً.. والعناوين توغل في الصعوبة.. كان علي يسمع عن عمة تعيش في تلك المدينة، ولكنه لم ينجح في الوصول لها.. فإيقاع الحياة كان أسرع من أي محاولات للفرح مجدداً.
وصل علي أخيراً.. بعد أن ووريت فاطمة الثرى بساعات عدة.. فالحديث عن الموت يخترق الحياة بندم.. حظيت العائلة برؤيته معزياً، بينما عاش الجيل الثالث من الأبناء حياة على وقع الترحال.
أمل الفلاسي
