لم يكن الضجيج يحتاج إلى كل هذا الحزن ليتشظى ويتغلغل في مسامات الروح، كما لم يكن يلزم الوقت كل تلك النهارات ليصنع قلادة من شوك حول عنقي في تلك الليلة..
خيط من الماء اندفع بشكل متواتر استخرج من قاع الوعاء المعدني القابع في الركن القصي حين اصطدم به أصواتاً نجحت رغم خفوتها بالطرق بشدة على بوابة العصب المخول بالاستيقاظ من حالة تشبه النوم، أو ربما من وضع يحيل تفاصيل الذاكرة إلى مجرد منمنات يقظة تسترق السمع على دبيب كل شيء فيما هي مسكونة بما يمكن وصفه بحالة من التيه وليس بالسبات.. انهض يا عبد السلام، فكل شيء جاهز بانتظارك.
يشعل سيجارته الأولى ثم يدخل في نوبة سعال حادة قبل أن يستعيد توازنه وينطلق في خطوته الأولى لرحلته اليومية باحتساء كوب الشاي المائل للسواد..
ماذا عن «سمية» هل زالت عنها الحرارة التي لازمتها ليلة أمس؟ سؤال خرج بصعوبة من فمه وهو يزدرد لقمة من شطيرة الجبن التي أعدتها الزوجة ومازالت على هذه الحال منذ سنين.
الحمد لله، لم يتبق من آثارها إلا القليل وستزول.. لا تخش شيئاً سأذهب الآن وإن استجد شيء أرسلي في طلبي مع أحد أبناء الجيران ثم وضع يداه الخبيرتان في يديها وقادها بلطف إلى الشارع ثم إلى سوق الخضار مفتتحاً وعربته الخشبية النهار كما كان يفعل منذ أكثر من سبعة عشر عاماً، وربما سيظل حتى زمن طويل.
هل لك أن توصلني وحاجياتي إلى المنطقة الغربية؟.. ويدفع عبد السلام بالأكياس المدججة بالخضراوات واحداً تلو الآخر إلى بطن العربة وينطلق.. هل لك بتوصيلنا إلى المنطقة الشرقية.. مشيراً وزوجته إلى الكثير من الأكياس التي تنتظر أرضاً وترنو إلى من سينقلها.. و.. ولم يكن كافياً بطن العربة لاستيعابها فناء ظهرها بالعديد منها.. وانطلق عبد السلام.
الظلام الذي كان يقتحم المكان لم ينجح في الدنو من روحه التواقة إلى رسم ملامح السعادة على وجوه أفراد أسرته الصغيرة، كما لم يسمح لحالة الإنهاك التي أصابته جراء سفره إلى كافة أرجاء المدينة نهار هذا اليوم من التواطؤ مع الظلام على تبديد حلمه الصغير، حيث قرر أن يحتفل وزوجته وابنته بعيد زواجه، ما جعله يلقي بجرأة بكل ما في جيبه أمام موظفة محل الحلويات للحصول على «التورتة» التي كانت موضوع همسات طفلته «سمية» لوالدتها منذ فترة طويلة.. وضع «التورتة» في بطن العربة مبتسماً بزهو كونها كانت المرة الأولى له منذ فترة طويلة التي يتمكن من خلالها من تحميل عربته بشيء ثمين يخصه.
وكان الفرح الكبير الذي غمر المكان وقسمات وجه سمية الضاجة بالألق رغم أن المرض لم يبارحها بعد، سبباً في ذلك الحزن الخفي الذي تسلل إلى نفسه ولم ينجح بالتغلب عليه، كما لم ينجح بإخفائه عن زوجته التي ما أن وضعت ابنتها بين يدي الملائكة في سرير النوم حتى عادت اليه لتلقي بسؤالها عليه.. لماذا كل هذا الحزن في مثل هذا اليوم والذكرى؟
السبب هو في عدم قدرتي على رسم كل ذاك الألق على وجه ابنتي دائماً كما في هذا اليوم.. و.. ويدفن وجهه في الوسادة ليعود ويستيقظ مجدداً على كوب الشاي الأسود ونوبة السعال الحادة والذراعين الخشبيتين اللتين أدمنتا يديه، هاتان الذراعان اللتان أفلتهما بسرعة عندما اقترب من بيته لدى عودته مساءً ومشاهدته للتجمع أمام باب منزله، لم يتمالك نفسه .
وهو يشاهد ابنته تهوي أرضاً بعد أن دفعها صاحب المنزل الذي يقطنونه فيما كانت تحاول الاحتجاج على صرخاته وتهديداته لوالدتها بضرورة الرحيل خلال أيام إذا لم يدفعوا المتأخر من الإيجار عليهم.. بلا وعي انهال عبد السلام بالضرب على المؤجر لتنجلي المعركة عن كسور شديدة ومتعددة في جسد المؤجر وحكم بالسجن لأعوام ثلاثة بحق عبد السلام.
ظهر كل يوم خميس ومنذ أكثر من عام كان عبد السلام يعود إلى الزنزانة جاراً أذيال الخيبة لعدم مجيء زوجته وابنته للزيارة، ولكن اليوم كان مختلفاً عن سابقاته فقد عرف السبب.. فزوجته قد تزوجت من شخص آخر وسافرت وابنته معه إلى دولة عربية حيث يعمل..
ألقى عبد السلام بنفسه على فراشه ودخل في رحلة تشبه النوم أو التيه يطارد خلالها ظلال صور أثيرة وبعيدة و.. وفي هذه المرة ينجح ضجيج صوت خيط الماء المندفع الذي صنعه لزميله وهو يقضي حاجته في الوعاء المعدني في الركن القصي للزنزانة بكنس ظلال صورة زوجته التي كان قد احتفظ بها طويلاً.
خالد اللوباني
