لم يكن لينسى أي كلمة من حكايات جده، فقد أدرك بغريزته الطفولية أن ما يحصل عليه اليوم من حكمة سيكون ثروة لا تقدر بثمن، وهكذا أصبح الفتى الذي لا يكاد يرى والده إلا نادرا صديقا حميما لجده يرافقه أينما ذهب ليسمع ويرى ويعرف من مجالس الرجال أكثر بكثير مما يعرف أقرانه.

كانت أمه تحاول دفعه إلى عالم الصغار ليستمتع بطفولته بدلا من قضاء وقته في خدمة الرجل العجوز، ففي البيت ما يكفي من الخدم ليقدموا للرجل كل ما يحتاجه، لكن حب الفتى لجده كان يفوق الوصف، وقد كان سعيدا بكل ما يفعل من أجله.

كبرت الحكايات وكبر الفتى معها، وبقي جده في الذاكرة يمثل الانتماء الدائم للأرض والماضي والأسرة والبيت الكبير، ومجالس الرجال، يحمل حكمته معه أينما سار، يعرف تاريخ الأسر والأسواق والمقاهي القديمة وأسماء الآبار والأشجار والسفن حتى صار مرجع محيطه حين يحتاجون معلومة قديمة.

وصل إلى مفترق طرق الحياة حين تحتم عليه أن يختار تخصصا جامعيا يرسم طريق مستقبله، فجاء الطب أولا وما أن أكمل سنواته بتفوق حتى بدأ بدراسة تخصص دقيق «طب الشيخوخة»، هذا الطب الذي يجعله قريبا من كبار السن ومن عصير الحكمة الذي لا يعرفه سوى من خبر السنوات الطويلة وعاش الحياة بطولها وعرضها.

أنهى الدراسة وبدأ الممارسة الفعلية للطب وصار صديقا لمرضاه كما كان صديقا لجده، يعرف حكاياتهم وأسرارهم ومشاكلهم.

تجاوزت العلاقة بينه وبين مرضاه حدود المهنة ليكرس لهم كل وقته، حاول والداه حمله على الزواج لكنه كان يؤجل الأمر كل مرة حتى وجدت أمه أن تستعين بأصدقائه كبار السن فلحديثهم سلطة لا تملكها هي على الرغم من السنوات الطويلة التي عاشتها حتى زحف الشيب إلى رأسها.

جاء أبو سالم إلى العيادة في غير موعده، وبادر الطبيب قائلا : قلبي يؤلمني ولا أستطيع النوم، أشعر بالألم يعصرني فما العمل.

استغرب الطبيب من شكوى أبو سالم فهو لم تكن لديه مثل تلك المشاكل في القلب، فقال له: هل أنت منزعج من شيء؟ هل ضايقك أحد؟

فأجاب العجوز: نعم يا بني ابني يكرهني؟

صدم الطبيب بإجابة أبي سالم، وسأل كيف؟

فأجاب ابني لا يفرح لفرحي ولا يتمنى أن أحصل على ما أريد، فهو لا يسمع مني ما أقول؟

هل تريدني أن أتحدث معه، لا بد أن يكون سوء فهم بسيط قد حصل بينكما، فلا يمكن لأي إنسان أن لا يتمنى لوالديه السعادة؟

وهل تتمناها أنت لوالديك؟

بالتأكيد، وهل تظن غير ذلك؟

ماذا لو كان ابني الذي أتحدث عنه هو أنت، ألا ترى أنك تسمع صوت نفسك فقط، ولا تسمع نداء الحياة لتعيشها كما عشناها نحن، اسمح لي يا ولدي أن أقول لك انك كسول، فأنت تريد حكمة الحياة مجانية.

بينما عليك أن تعيش تجاربها، ووالداك يريدان لك حياة سعيدة طبيعية لا أن تدفن نفسك في عيادتك، أو في مجلس الشواب، مازال لديك الكثير لتفعله، فاخرج من قمقمك نحو الدنيا، فأنا لم أصل إلى معرفتي بالدنيا وأنا أختبئ خلف الحكايات القديمة، نعم هي جميلة لكنها ليست كافية لتشكل تجربة كاملة.الآن فهمت حديثك، شكرا لك لأنك نبهتني إلى ما لم أهتم به سابقا، وستسمع من أخباري ما يسرك ويفرح قلب.

كان أبو سالم أول الحاضرين لخطوبة الطبيب وفي مقدمة المدعوين لحفل الزفاف، بينما كان الطفل الأول ابتسامة سعادة تطوف في أرجاء البيت الكبير، عرف فيها الطبيب معنى الأبوة وأدرك أن كل الحكمة التي يغرفها لا يمكن أن تضاهي تجربة واحدة يعيشها بكل تفاصيلها الحلوة والمرة.

دلال جويد