تزايدت في الفترة الأخيرة موجات النقد لظاهرة إصدار الفتاوى عبر شاشات الفضائيات من خلال الهواتف المحمولة ورسائل الموبايل، وأيضًا رسائل الsms دون التروي أو التأكد من صحة هذه الفتاوى، وفقًا لأحكام الشرع، فضلا عن أنها غالبًا ما تكون من غير متخصصين.
وهذا ما آثار سخط العديد من رجال الدين الإسلامي، الذين طالبوا بوقف نزيف هذه الفتاوى عبر شاشات الستالايت، وضبطها حتى لا تؤدي إلى فوضى يختلط فيها الحق بالباطل، وتضيع خلالها الكثير من حقوق المسلمين، وبالتالي تظهر الإسلام أمام أعدائه وكأنه دين بلا منهج، عندما تجد كل فرد يتحدث فيما يعنيه وما لا يعنيه.
ووصف العلماء ظاهرة الإفتاء على الفضائيات وأجهزة الموبايل لغير المتخصصين والعلماء بأنها كارثة يجب الوقوف عندها بحزم، وطالبوا القائمين على هذه الأجهزة التدقيق والفحص قبل بث هذه الفتاوى التي لا تستند إلى نص واضح أو حديث صحيح، وحذروا من خطورة هذا الأمر الذي اعتبروه بدعة تثير الجدل والفوضى في أوساط المسلمين.
يقول د. محمد رأفت عثمان ـ عميد كلية الشريعة والقانون الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية: إن الفتوى لابد أن تأخذ حقها من الفحص والاستدلال على شاشات القنوات الفضائية التي فتحت أبوابها لغير المتخصصين في الفقه الإسلامي وأعطتهم بلا حق الإجابة على الاستفتاءات، والنتيجة أننا غرقنا في فوضى من الفتاوى المتضاربة.
أوضح أنه يجب على وسائل الإعلام أن تختار لبرامجها الدينية المؤهل علميًا لإفتاء الناس في أمورهم وحياتهم، مشددًا على ضرورة أن يخدم كل عالم تخصصه فمجمع البحوث الإسلامية ودور الإفتاء العربية وعلماؤهما هما المعنيان بإصدار أي فتوى للأمة الإسلامية.
وطالب عثمان بضرورة التصدي لمثل هذا الأمر، خصوصًا أنه هناك العديد من الفتاوى الخاطئة التي تكون غالبًا في غير محلها وتصدر من هؤلاء، وهذا ما يسيء للإسلام والمسلمين، بالإضافة إلى أنه لا يصح الاستهانة بالفتاوى التي تتعلق بحياتنا اليومية وبديننا الإسلامي الحنيف، وإرسالها عبر الموبايلات ورسائل الـ sms.
ويرى د. فرحات المنجي - من كبار علماء الأزهر الشريف أن اختلاف العلماء فيما بينهم رحمة، لأن لكل منهم أسانيده وطريقته في استنباط الأحكام والأدلة والقياس عليها، ولكن الكارثة أن كثيرًا من غير المتخصصين أصبحوا على شاشات الفضائيات يدسون أنوفهم في هذا الأمر، وتأخذهم العزة بالإثم حينما يفتون بغير علم، ويجيبون على الرسائل فوريًا، خوفًا من أن يسقطوا من عيون المشاهدين، دون تفحص وعلم ودارسة المسألة قبل الإجابة عليها.
أضاف: من يقول «لا أدري» فقد حاز نصف العلم لكن الاجتراء على الفتوى بهذا الشكل دون وجود قواعد أو معايير أو متخصصين يشرفون على هذه القنوات أمر لا ينبغي السكوت عليه، فمنبر الفتوى يحتاج لنخبة من الفقهاء، لا أن يتم فتح الباب على مصراعيه هكذا أمام دعاة الفضائيات الجدد الذين لا يشغلهم سوى الشهرة وكسب المال ولو على حساب تضليل الناس دينيًا.
وانتقد المنجي بعض الشخصيات من هؤلاء الذين خرجوا مؤخرًا عبر بعض الفضائيات وأقسموا بأغلظ الإيمان ردًا على اتهامهم بالتسبب في فوضى الفتاوى الحالية، بأن جميع الفتاوى الخاطئة صدرت كلها عن علماء الأزهر.
وطالب المنجي أصحاب ومذيعي هذه القنوات الذين يجلبون مثل هؤلاء ويقدمون الفتاوى عبر رسائل الsms أن يتحروا الشفافية والدقة في اختيار الدعاة والعلماء الذين يستطيعون أن يدلوا برأيهم في أي قضية فقهية طبقًا لما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية، مع دعم كلامهم بالأسانيد الصحيحة التي تؤكد صحة الفتوى حتى لا يحدث انشقاق وتفكك بين أعضاء الأمة الإسلامية الواحدة.
إلى هنا يؤكد د. عبد الله منصور ـ أستاذ الشريعة الإسلامية أن انتشار موضة الفتاوى على القنوات الفضائية في الآونة الأخيرة بشكل عشوائي يتطلب التصدي له بقوة لأن هذه الفتاوى تصدر عن غير المتخصصين بلا دراسة أو سند من الفقه أو السنة.
وأشار إلى أن تلك الفتاوى تزيد من اختلاط المعايير الدينية وتزيد من الفساد في المجتمع، مطالبًا بتقنين إصدار الفتاوى وقصرها على رجال الدين من علماء الأزهر وأساتذة الشريعة لتضمن أن يكون لها أصول مرجعية دينية سليمة، ولذلك يجب على مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف الذي يضم عددًا كبيرًا من مختلف أساتذة الفتوى على مختلف المذاهب الفقهية أن يفكر جديًا في إنشاء قناة دينية متخصصة في الفتاوى.
أما د.آمنة نصير ـ أستاذ العقيدة والفلسفة فقد أكدت أن هناك نوعين من الفتوى عبر شاشات الفضائيات النوع الأول يقوم به علماء أجلاء معروف عنهم غزارة العلم والدراية بالأمور الفقهية، وهذا أمر محمود ويحمد لهم جميعًا ذلك ويجب على القائمين بأمر هذه القنوات الإكثار من هؤلاء والتحري من علمهم، أما النوع الثاني فهو نوع الفتاوى الهدامة التي لا يعرف لها مصدر، وهذا ما يثير «البلبلة» بين عموم المسلمين، ويؤدي إلى حدوث الفوضى بينهم.
أضافت أنها منذ أيام قليلة تلقت اتصالا من إحدى النساء وأخبرتها خلاله بأنها لم تعد تحتمل، وعندما سألتها عمن تتكلم وعن سبب عدم احتمالها، أكدت لها أنها تصلي في اليوم خمسين ركعة، وتختم القرآن مرة كل يوم، وقالت الدكتورة آمنه نصير عندما سألتها عن السبب في هذه المشقة التي تجلبها على نفسها، أكدت لها أنها سمعت من بعض المشايخ عبر إحدى الفضائيات أنه من لا يصلي خمسين ركعة ويختتم القرآن كل يوم رمضان فلا يقبل له صيام.
فأكدت لها أن هذا الأمر لا صحة له، وأن الدين يسر وليس عسرا، مشيرة إلى أن هذه الفتوى تعد هي الأغرب طوال حياتها، ولذلك يجب التصدي لمثل هذه الفتاوى لكي لا تكون سبب في كراهية البعض للدين الإسلامي أو العزوف عنه كما كان سيحدث من السائلة.
وقالت نصير: الفتوى لا تكون إلا من متخصص وعالم بالأمور أما غير ذلك لا يمكن أن تسمى فتوى، لأنها خرجت من غير عالم.
ويرى د. عثمان علي أن فوضى الفتاوى وعدم اتفاقها مع العقل ومفهوم الدين أكثر خطرًا على الإسلام من أعدائه، لأنه يعد انحدارًا في الفكر الديني، ويعود بالمسلمين إلى التخلف والجهل، وعدم الالتزام بالقواعد الصحيحة والثابتة من الإسلام.
وأضاف أنه يجب على أصحاب القنوات الفضائية اللجوء إلى الهيئات المتخصصة في الفتوى كمجمع البحوث الإسلامية وغيرها، ليرشح لهم من الأحق، ومن هو الشخص القادر على إفتاء المسلمين بأمور دينهم.
