بينما كنت جالساً في مكتبي أراجع التقارير الخاصة بعدد من القضايا اتصل بي سكرتير أحد الضباط وقال لي عليك أن تحضر إلى مكتب الضابط فوراً فهو يريدك لأمر مهم.

عندما وصلت إلى مكتب الضابط وجدت رجلاً تجاوز الثمانين من عمره هزيل الجسم ضعيف البنية تبدو عليه واضحة آثار الشيخوخة، ثيابه غير نظيفة أما ذقنه فهي قصيرة الشعر بيضاء اللون، وعندما يتكلم يظهر رأس لسانه من بين شفتيه فقد أخذت الأيام أسنانه الأمامية ولم تبق له سوى اللثة المهترئة من كثرة التدخين.

كان الرجل يجلس على كنبة في مكتب الضابط وبجانبه طفلة لا يزيد عمرها على (11) عاماً، كان الخوف باديا عليها وكانت عيناها لا تزالان تعتصران بقية من دموع ذرفتها قبل دخولها إلى مكتب الضابط.

كانت الفتاة تلف جسدها النحيل بثوب أسود أما غطاء رأسها فكان أسود أيضا، وكانت تنتعل حذاء من البلاستيك لا يكاد يغطي قدميها.

كان يمكن للمرء أن يتقبل هذه الصورة الموحشة لولا أن الرجل فاجأنا بما هو أسوأ حيث كان يربط يد الطفلة اليمنى بحبل طوله نصف متر بيده، وذلك خوفا من أن تهرب منه ولا يعود يراها مرة ثانية.

عندما استفسرت من الضابط عن الرجل والطفلة التي معه قال لي بأن هذا الرجل هو (.........) وهذه الطفلة زوجته جاء بها رابطا يده بيدها بحبل حتى لا تهرب منه، فقلت للضابط وماذا تريد مني فقال أريدك أن تترجم لي ماذا تقول.

قلت للطفلة تكلمي ولكن قبل أن تنبس ببنت شفة رفع الرجل العجوز صوته الذي لا يكاد يخرج من حلقه قائلا ((لا كلام لكم مع زوجتي.. الكلام معي أنا فقط، ثم التفت إليها وتكلم بلغتها عرفنا من خلال الحوار الذي جرى بينهما بأنه يهددها إن هي تكلمت، ثم حاول الرجل العجوز أن يتكلم لكن الضابط قال له بأنه لن يسمعه ما لم يفك قيد تلك الطفلة فلا يجوز أن تبقى مقيدة في مركز الشرطة إلا أن الرجل العجوز رفض ذلك.

فما كان من الضابط إلا أن طلب من سكرتيره أن يأتي بسكين ويقطع الحبل، حاول السكرتير أن يقطع الحبل لكنه تلقى ضربة من الرجل العجوز على رأسه بعصا من الخيرزان، لكن السكرتير بعد أن استوعب الضربة تمكن من قطع الحبل.

ما كادت الطفلة تحرر نفسها من هذا القيد حتى اندفعت إلى الضابط واختبأت خلفه فيما اندفع الرجل العجوز نحوها رافعا عصاه يريد أن يضربها إلا أن الضابط منعه من ذلك مهددا إياه بوضعه في الحجز إن هو حاول الاعتداء عليها أو ضربها أو شتمها.

بعد أن هدأ الرجل العجوز قال للضابط أريدك أن تأخذ تعهداً على ابني فلان أن لا يأتي لزيارتي.

وعندما سأل الضابط عن سبب ذلك قال الرجل العجوز بأن ابنه البالغ من العمر (38) عاما عندما يأتي لزيارتي يحضر معه العصير والشوكولاته والسكاكر لزوجتي، حتى أنها أصبحت تنتظر زيارته وعندما يتأخر تتصل به وتطلب منه أن يأتي إلى البيت ومعه العصير والحلويات. قال الضابط وما في ذاك فرد الرجل إن ابني شاب رغم أنه متزوج وزوجتي صغيرة ولا أريد أن يأتي لزيارتي هذا كل ما في الأمر وعليك أن تأخذ تعهداً عليه أن لا يزورني في بيتي الثاني وأن لا يتحدث مع زوجتي.

فقال له الضابط إن ما تطلبه شيء غريب فهل تشك في زوجتك وابنك، فرد الرجل العجوز قائلا إنني أشك في كل شيء حتى فيك أنت لأن زوجتي تحتمي بك وتجلس بالقرب منك.

تزوير أوراق رسمية

تحدثت الفتاة قائلة بإنها لم تر الرجل العجوز (زوجها) إلا ليلة الدخلة وأن والدها زور شهادة ميلادها وكتب فيها أن عمرها (19) عاما رغم أنها كما قالت لا يزيد عمرها على عشر سنوات ونصف. وأضافت بأن ليلة زفافها كانت جحيما وعندما حاولت أن تهرب أمسك بشعرها ورماها على الأرض وبدأ يضربها بوحشية كبيرة وقسوة ليس لها مثيل، وكان يردد كالمجنون لقد أخذ والدك (ثمنك وأصبحت الآن عبدة لي).

وقالت مرت الأيام سوداء فلا أدري ماذا أعمل بهذه المصيبة التي حلت على رأسي، ورغم أن والدتي كانت تحاول أن تخفف عني إلا أنني افتقدتها عندما تركت بلاد زوجي حيث لا معين ولا صديق ولا أحد.

وقالت وما زاد من مصيبتي أن زوجي بخيل جداً فلو كان بخله في الطعام والشراب لهان الأمر ولكنه دائما يغلق أبواب البيت الذي نعيش أنا وهو فيه ويرفض تشغيل المكيف الا لساعة أو ساعتين رغم الحر الشديد والرطوبة العالية وذلك بحجة أنه لا يريد أن يدفع فاتورة كبيرة للكهرباء علما بأنه غني جداً ويمتلك عمارتين يزيد سعرهما على (18) مليون دولاركما أن دخله السنوي من هاتين العمارتين ومن عقارات أخرى يزيد على مئات الآلاف من الدولارات.

وأكدت بانه جعل من البيت الذي يعيشان فيه سجنا لها فلا يسمح لها بمغادرته أبدا حتى أنه يقوم بإغلاق الباب عليها بالمفتاح ويأخذ هاتفها النقال معه حتى لا تكلم أحدا وإن البيت ليس به هاتف أو تلفزيون.

وقالت الطفلة بأنها تريد أن تعود إلى بلادها ولا تريد أن تعيش معه مهددة بأنها إن عادت معه إلى البيت فإنها ستنتحر لأنها في حقيقة الأمر هي مخلوقة ميتة حتى لو كانت تتكلم أو تتنفس. نظر الضابط إلى الرجل العجوز الذي كان غاضبا وقال له هل ما قالته زوجتك حقيقي، فرد عليه الرجل العجوز مهدداً ومتوعدا، ورافعا عصاه في الهواء بأن من يتدخل بينه وبين زوجته سيلاقي الويل والثبور وعظائم الأمور.

وهنا اقترب الرجل العجوز من الضابط صارخاً في وجهه قائلاً: أنا لم آت إلى هنا كي تسمع قصص وحكايات زوجتي ولكن عليك أن تستدعي ابني وتطلب منه ألا يزورني في بيتي، ولو كنت أعرف بأن هذه (العاصية) ستشتكيني عندك لأبقيتها في البيت.

استدعاء الابن

تم استدعاء الابن الذي حضر إلى مركز الشرطة، وعندما عرف سبب استدعائه أصيب بصدمة ووجه كلامه إلى الضابط قائلاً: إذا كان أبي يشك في تصرفاتي نحو زوجته فعليك أن تعرف يا سيادة الضابط أن عمر ابنتي يزيد عن عمر زوجته سنتين، فكيف لوالدي أن يفكر بهذه الطريقة.

وقال الابن عندما أذهب لزيارة والدي العجوز آخذ لزوجته ما آخذه لابنتي من حلويات وعصير وسكاكر لأنني أعرف أن والدي يحرمها من كل شيء، وأنا أشعر عندما أراها بأنها مثل ابنتي تماماً. وأضاف بأنها كانت تطلب مني أن أشتري لها لعباً وعرائس ودبباً صغيرة.

وكنت أفعل ذلك من أجل أن تشعر تلك المسكينة بالأمان وتجلس مع والدي، لكن والدي سامحه الله عنيف معها فهو يضربها من دون رحمة وعلى أتفه الأسباب، وكثيراً ما فكرت أن أعيدها إلى بلادها حتى لا تموت من كثرة الضرب فقد شاهدت زوجتي آثار الضرب المبرح على جسدها فنحن نخاف أن تموت في إحدى المرات وهو يضربها ونرتكب مصيبة نحن في غنى عنها.

ما كاد ينتهي الشاب من كلامه حتى عاجله الرجل العجوز بضربة قوية من عصاه على كتفيه، تحمل الابن الألم وقال لوالده إن كان يرضيك أن تضربني أكثر فافعل وقدم له رأسه بعد أن أزال عن رأسه ما كان يكسوه من غطاء.

احتدم النقاش بين الرجل وابنه حيث طلب الابن من أبيه أن يطلق تلك الطفلة المسكينة البائسة وأن يعطيها بعض المال ويعيدها إلى أهلها فهذا أفضل للجميع، لكن الرجل العجوز رفض ذلك بشدة قائلاً لابنه إنك بذلك تريد أن تقتلني لتستريح مني وتأخذ أملاكي لكنني لن أعطيك شيئاً، وطلب الرجل العجوز من الضابط أن يجبر ابنه على توقيع تعهد بعدم زيارته في بيته.

تعهد بعدم الزيارة

قال الضابط للابن: ما رأيك في ما يقوله أبوك؟ فرد الابن رافضاً هذا الطلب، وقال إن والدي رجل عجوز ولم يعد يقدّر الأمور، وإن كان فعلاً يشك في تصرفاتي ولا يريدني أن آتي لزيارته فأنا لن آتي وحدي بعد اليوم بل ستكون معي زوجتي أو إحدى بناتي فلعله يجد في ذلك الطمأنينة.

بدأ الابن يهمس في أذني الضابط طالباً منه إقناع والده بأن يعيد تلك الفتاة البائسة إلى أهلها لأن والده أصبح يشك في أقرب الناس إليه ويرى أن كل إنسان طامع في زوجته.

حاول الضابط أن يطرح هذه الفكرة على الرجل العجوز وأن يقنعه بأن يطلق تلك الطفلة ويعيدها إلى أهلها حتى يريح ويستريح لكن الرجل رفض ذلك بشدة، وبدأ يسب ويشتم ابنه بسبب هذه الفكرة الشيطانية.

قام الرجل وضرب ابنه بالعصا التي كانت معه، ثم حاول أن يضربه من جديد لكن ساقيه لم تسعفاه حيث سقط على الأرض. اندفع الضابط والابن نحو الرجل العجوز يحاولان إسعافه حيث أخذ الابن والده بين يديه وبدأ ينثر الماء على وجهه لعله يفيق.

اتصل الضابط بسيارة الإسعاف التي جاءت مسرعة لحمل الرجل العجوز إلى المستشفى حيث أدخل غرفة العناية المركزة بسبب أزمة قلبية.

التفت الضابط إلى الفتاة وبدأ يبحث عنها في مكتبه والمكاتب المجاورة وفي المركز كله لكنه لم يجدها، اتصل الضابط بابن الرجل العجوز يسأله عن الفتاة، عما إذا كانت معه في المستشفى أم لا، فرد الرجل بأن انشغاله بحالة أبيه لم تدعه ينتبه إلى الفتاة.

اتصل الرجل بزوجته وبناته يسأل عن زوجة أبيه لكنهن أخبرنه بأنهن لم يشاهدنها، عندما عرف الضابط ذلك أحس بأن الفتاة استغلت انشغال الجميع بنقل الرجل العجوز إلى سيارة الإسعاف وهربت.

طلب الضابط بسرعة البحث عنها لكن بحثه لم يدم طويلاً فقد تم إبلاغ المركز بأن فتاة لقيت مصرعها إثر دهس سيارة أجرة لها عندما كانت تعبر الشارع وهي تركض بسرعة كبيرة حيث عبرت من مكان ليس مخصصاً لعبور المشاة.

انتقل الضابط إلى المستشفى حيث شاهد على أحد الأسرّة جثة الفتاة وقد مزقت عجلات سيارة الأجرة وجهها.

ذهب الضابط لزيارة الرجل العجوز فوجده قد خرج من غرفة العناية المركزة، سأل الرجل العجوز الضابط عن زوجته، فأخبره الضابط بأنها توفيت في حادث، فقال له الرجل العجوز أنت تكذب علي لأنك تريد هذه الفتاة لنفسك، وعندما أتمالك صحتي سوف أوسعك ضرباً أنت وابني. فقال له الضابط: لقد ماتت الفتاة وهي تعبر الشارع، فقد استغلت انشغالنا بك وهربت ودهستها سيارة أجرة وماتت.

لم يصدق الرجل ما قاله الضابط حتى أخذه الضابط إلى حيث جثة الفتاة، وعندما شاهدها وتأكد من موتها لم يقل سوى جملة واحدة وهي (غداً سأذهب إلى بومبي وأحضر فتاة غيرها)، ثم عاد إلى غرفته في المستشفى ونام وكأن شيئاً لم يكن.

إعداد: أحمد سلطان