ثرثرة طفولية عثر أخيراً على ضالتها.. واستحوذت على اهتمام الحاضرات.. تسلل لقاء صديقتي طفولة على أعتاب الخمسين.. نورة وناعمة في مجلس حمدة الأخت الكبرى لناعمة.. مخترقاً سنين الأمومة.. قاطعاً الطريق على أحاديث اعتيادية.. و»سوالف« تطبعت بالمجاملات وغلب عليها النفاق.. باعثاً دفء الطفولة بذكريات زمن تناثرت لحظاته بين »سيفة« البحر.. و»المريحانة«..
وتأرجحت مشاعره بين الفرح الصادق.. وشقاوة البنات.. وصغار الأمهات.. حديث خبرات الحياة الطاحنة التي باغتت لحظات الطفولة.. وأشعلت غابات الذاكرة بنور الحنين إلى كل ما هو صادق.. بعيد عن التكلف.. قريب إلى الآخر قرب أنفاسه.. فالعلاقات هنا تجاوزت الصداقة.. والجيرة.. والأخوة..
بل امتدت إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير.. فالمشاعر الصادقة تتقد عادةً في نفحات الفرح.. والذكريات حاضرة دائماً بانتظار الوجوه الباقية في مناطقها الأكثر عمقاً.. كي تنطلق إلى السرد مجدداً.. بروح جديدة.. وخبرات أكثر نضوجاً.. لا شك أن الملامح تغيرت كثيراً..
ولكن شيئاً ما لا يزال باقياً.. هناك في أعماق الحديث يتكشف دائماً.. فأمهات اليوم.. هن ذات فتيات الأمس.. بصمت مرحب.. تناولت حمدة »الاستكانات« وصبت لنورة وناعمة الشاي.. بينما بادرت كل منهما بإدارة الحديث، فلا داعي للخوف في وجود قطبي السوالف..
كان الهدوء مبعثاً للأمل.. والتجمع الذي أعاد صديقات الطفولة محفزاً على استحضار الذكريات.. وسردها بتفاصيلها التي حافظت على الحب ذاته.. والأشياء نفسها.. المشروبات التقليدية..
وأصناف الأطعمة العالقة في الذاكرة.. نقوش الحناء على الأيادي.. وأقمشة الملابس اللاتي يرتدينها.. مازالت ذاتها.. بوتيلة المحببة إلى قلب ناعمة.. وكندورة بوطيرة التي ارتدتها نورة في عيد لم تكتمل فرحته.. على يدي طفولة »ناعمة« التي مزقته غير قاصدةً.. »كنت أدزها على المريحانة.. عاد كنا صغار وبنموت على اللعب..
وأنا ما كنت أرد البيت إلى مهزوبه«.. يزداد الحديث توغلاً في تفاصيل الذاكرة.. ولا تنسى نورة أحداث ذلك اليوم الذي تروي لحظاته بسرور تمثل في لمعة عينيها وفرحة تسللت إلى صوتها.. »لا ما أنسى يوم اطرين كندورتي.. وأتم أصيح.. مابا أرد البيت عشان ما أمي ما تواجعني«.. لم تنس نورة شقاوة الأطفال..
فهي تحفظ عن ظهر قلب كيف خلصت نفسها من ثورة أمها الموشكة.. «سرنا عند سهيلة عشان تخيط كندورتي.. عاد هذيج الأيام محد عنده كيرخانة في الفريج غيرها.. ويزاها الله خير.. خاطتلي اياها.. ورديت البيت»..
لم تنته فصول شقاوة ناعمة عند هذا الحد.. بل بادرت إلى نبش المزيد من بطولات الطفولة.. فالغلبة في مجلس كهذا لمن يجمع أكبر عدد من الذكريات.. »ما تحيدين يا نورة يوم أغرقج في البحر«.. »لازم أحيد.. عاد أنا حليلي دبدوبة وانتي ضعيفة.. ما تخافين ربج بتموتيني.. بو محمد يقولي الحين جان فيها خير ربيعتج تي تغرقج«.
سؤال من صلب ذاك الزمن.. »وانتي يا حمده.. ما كنتي تسيرين تلعبين وياهن؟« »حشا عليه.. أنا أخدم يدتي وخوالي في البيت.. ما يخلوني أظهر.. ناعمة اختي شيطانة.. وما تسويلهم شور«.. تستحضر نورة بدقة متناهية أسباب ذلك.. »يحليلها حمده.. هاي فقيرة.. لا ترمس ولا تضارب.. شرات فاطمة أختي.. تخدم في البيت وأنا أحوط في الفريج.. عاد أنا محد ادلع شراتي«..
باغتت نورة موجات من الضحك.. عندما تذكرت صديقة الطفولة »موزه« تلك التي لم تحظ بنصيبهن من اللعب والشقاوة.. والتي تزوجت في آخر سنوات الطفولة وخاضت تجربة الأمومة في الثالثة عشرة، »يحليلج يا موزه.. أسميني ضاربتها يوم صغيرة.. كانت يابسة وفقيرة.. وكل ما أمشي وياها أدزها لين اتطيح« تعالت ضحكات الحاضرات.. وجاء صوت حمدة مسكناً كعادته »حسبي الله عليكن يا القوايا.. ما خليتن حد ما ضاربتنه«..
للأمهات أيضاً قصص الطفولة.. تلك التي دشنت أولى صفحات كتب التضحية ومهدت لحكايات جادت بتجارب تباينت أحداثها.. وتوحدت في حنان أمومتها..
أمل الفلاسي
