أكد الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين ومدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية أن الصلاة خارج المسجد وفي ظل أحد الجدران صحيحة عند كثير من الفقهاء والعلماء، مشيرا إلى أن هذه المسألة خلافية.
وقال إن هناك تفصيل فقهي في المسألة تبين لنا أنها مسألة خلافية بين الفقهاء، فهم بين مجيز لذلك، ما دام المقتدي يعلم انتقالات الإمام وتمكنه من متابعته، وبين مانع منها لما فاته لمفهوم القدوة والاجتماع. وقال إنه إذا كانت المسألة خلافية فإن الخلاف فيه فسحة للناس عند الحاجة لذلك، فهو يسع الجميع، ف«كلهم من رسول الله ملتمس» وقال إن صلاة الجماعة سميت كذلك لاجتماع المصلين فيها في مكان واحد، مسجدا كان أو غيره، فإن كان اجتماعهم في مسجد فهم في جماعة واجتماع وإن بعدت المسافة بين الإمام والمقتدين ما داموا يعلمون انتقالاته، وذلك تغليبا لحكم المكان الذي جمعهم، فإن كانوا في مكانين منفصلين كأن يكون الإمام في المسجد والمقتدي خارجه؛ ينظر هل اتصلت الصفوف أم لا، فإن اتصلت صحت القدوة مهما تعددت الصفوف وبعدت المسافة، وإن انقطعت ففيه تفصيل من وجوه:
أولا: أن يطول الانقطاع بين الإمام والمقتدي أو بين المقتدي وآخر صف يلي الإمام لمسافة 300 ذراع فأكثر وتوازي نحو 150 متراً تقريبا، فهذا الانقطاع يمنع القدوة لعدم صدق الاجتماع عليه.
ثانيا: أن يكون أقل من ذلك، فلا يؤثر على القدوة وصحة الجماعة ما دام المقتدي يعلم انتقالات الإمام بسماع صوته أو صوت من خلفه من مبلغ أو نحوه.
ثالثا: أن يكون أقل كذلك ولكن حال بينه وبين الإمام طريق أو نهر أو نحو ذلك، فقد اختلف العلماء في هذه الصورة؛ فذهب السادة الشافعية والمالكية إلى صحة القدوة في هذه الحالة ولم يروا هذا الحائل مانعا من صحة القدوة.
قال الشيرازي رحمه الله تعالى في المهذب، أو كان بينهما شارع مطروق فوجهان: الصحيح باتفاقهم لا يضر بل يصح الاقتداء لحصول المشاهدة، قال: والماء لا يعد حائلا وكما لو حال بينهما نار فان الاقتداء صحيح بالاتفاق قال أصحابنا: وسواء في الأحكام المذكورة كان الفضاء مواتا أو ملكا أو وقفا بعضه مواتا وبعضه ملكا.
وقال في موضع آخر: وإن كان بينهما حائل نظرت؛ فإن كانت الصلاة في المسجد بأن كان أحدهما في المسجد والآخر على سطحه أو في بيت منه لم يضر، وإن كان في غير المسجد نظرت فإن كان الحائل يمنع الاستطراق والمشاهدة لم تصح صلاته، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن نسوة كن يصلين في حجرتها بصلاة الإمام فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه في حجاب، وإن كان بينهما حائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة كالشباك ففيه وجهان» أحدهما لا يجوز، لان بينهما حائلا يمنع الاستطراق فأشبه الحائط.
وقرر هذا الإمام النووي في المجموع، فقال: لو حال بينهما طريق صح الاقتداء عندنا وعند مالك والأكثرين، وقال أبو حنيفة: لا يصح لحديث رووه مرفوعا.
ثم بين رحمه الله تعالى شرط القدوة في مسألة أخرى فقال: يشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام، سواء صليا في المسجد أو في غيره أو أحدهما فيه والآخر في غيره وهذا مجمع عليه، ثم نقل عن أصحابه الشافعية قولهم: ويحصل له العلم بذلك بسماع الإمام أو من خلفه أو مشاهدة فعله أو فعل من خلفه، ونقلوا الإجماع في جواز اعتماد كل واحد من هذه الأمور، فلو كان المأموم أعمى اشترط أن يصلي بجنب كامل ليعتمد موافقته مستدلا بها.
وبمثل هذا قال السادة المالكية ففي جامع الأمهات لابن الحاجب الكردي المالكي: وصلاة المقتدين في رحابه- أي المسجد- والطرق المتصلة به إذا ضاق، وإن لم تتصل الصفوف، - أي صحيحة- وإذا اتصلت وإن لم يضق صحيحة على الأصح.
وخالف في ذلك السادة الحنابلة والأحناف، ففي الروض المربع بحاشيته لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي النجدي يقول: وإن كان بين الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن، أو طريق ولم تتصل فيه الصفوف، حيث صحت فيه، أو كان المأموم بسفينة وإمامه في أخرى، في غير شدة خوف لم يصح الاقتداء، وفي شرح منتهى الإرادات لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتي يقول: وإن كان بينهما أي الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن لم تصح، فإن لم تجر فيه صحت، أو كان بينهما طريق ولم تتصل الصفوف حيث صحت تلك الصلاة فيه أي الطريق كجمعة وعيد وجنازة ونحوها لضرورة لم تصح للآثار.
وبمثل ذلك فال السادة الأحناف كما نقله العلامة أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي القفال في حلية العلماء فقال: فإن كان بين الإمام والمأموم نهر أو طريق صح الائتمام وبه قال مالك وقال ابو حنيفة وأحمد يمنع ذلك صحة الائتمام.
وقد قرر العلماء أنه لا ينكر المختلف فيه، لأن لكل قول دليله وتعليله، وإنما ينكر المجمع عليه.
دبي ـ السيد الطنطاوي

