مرت الأيام والسنوات وهي تفني عمرها من أجل أبنائها حتى كبروا، وفي ظل ظروف صعبة استطاعت أن تجعلهم يكملون دراستهم، ليلتحقوا بوظائف مرموقة، ولم تكن تنتظر منهم سوى يد حانية بعد أن شارف عمرها على الخمسين.

مرت 10 سنوات بعد وفاة زوجها، ومازالت تعيش وتكبر على ذكريات الماضي الجميل، مع زوجها الذي عاشت معه أحلى أيام عمرها، حين تتوج حبهما بإنجاب 8 أولاد وبنات، ولكن وفاته المفاجئة في حادث سير قلبت حياتها رأسا على عقب، حبها الكبير لزوجها ولأبنائها.

جعلها تأبى أن تتخلى عن صغارها في أحلك الأيام وأشقاها، فقد كانت نعم الحضن الذي يحفظ صغارها الذين كان أكبرهم لم يتجاوز 11 سنة، وكانوا مازالوا بحاجة إلى الرعاية والعطف والحنان.

لم تجد أمام الضغوط المادية والمصاريف الكبيرة لأسرتها سوى العمل بيديها لينعم أبناؤها بحياة كريمة كغيرهم وأن لا يشعروا بأي نقص أو يحرموا من شيء مهما كان، فقامت إلى جانب المساعدات الاجتماعية التي تقدم للأسرة بصنع الطعام والحلوى وبيعها، تواصل الليل مع النهار في سبيل تحقيق حياة كريمة لأسرتها.

كانت إنسانة مخلصة ومثابرة رفضت الكثير من المغريات والارتباط بأزواج آخرين، أفنت زهرة عمرها تكد وتعمل من أجل أبنائها الذين ربتهم وعلمتهم أفضل تعليم، لم تكن تنتظر منهم أي شيء فقد كانت سعادتها في رؤيتهم أمام عينيها يكبرون ويترعرعون، وينجحون في حياتهم الدراسية والعملية.

كانت سنوات طويلة كلها ألم ومشقة، وعنوانها الإخلاص والعمل والتضحية، فقد ضحت بزهرة شبابها في تربية أبنائها، لكن أبناءها الثمانية لم يتذكروا أيدي أمهم الحانية، بل كل ما وجدوه بعد أن كبروا أن جنسية أمهم مثار للسخرية، أصبحوا يعايرونها بأصولها ومنبتها، نسوا أنها أمهم، هذه المكانة التي يفترض أن تتعدى حدود الأصول والمنابت.

لم تصدق ما يجري أمامها، فأبناؤها الثمانية الذين ضحت وسهرت الليالي على تربيتهم، لم تنل منهم سوى الإهانة، لا لذنب اقترفته أو لتقصير في تربيتهم، ولكن لأنها فقط ليست من جنسيتهم. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بدأت تتصاعد الأمور وتزداد إهانتهم لها يوما بعد يوم، ويقذفونها بشتى أصناف الاهانة والمذلة يسخرون منها ومن عائلتها.

وينعتونها بالوافدة إلى أن وصلت الأمور إلى حد لا يصدق، فقد بدأ أكبرهم بالنيل منها بلسانه البذيء وبدأ يبطش بها ويغتال أمومتها بضربها، كلما سنحت له الفرصة، وما كان من الأم إلا أن بدأت تقلب صفحات حزنها ومشقتها.

وتضرب بوجه الحائط كل سنوات الشقاء التي أمضتها في رعاية هؤلاء العاقين تتألم نفسيا وجسديا فلم تعد قادرة على تفسير ما يدور حولها، تتجرع الحزن والألم، ويقف عقوق أبنائها غصة في حلقها.

فراس العويسي