حاولت أن اعرف سر صمته المطبق ونزوعه إلى العود بصورة مستمرة، سألني ذات مرة هل تعرف الموسيقى، قلت له نعم أعرفها، الموسيقى فن رفيع يسمو بالروح، قاطعني ليس هذا قصدي، قلت له ماذا إذن تقصد من وراء سؤالك؟، قال هل تجيد العزف، قلت له نعم أجيد العزف.
قال لي على أية آلة، قلت له على آلة ليس لها في الوجود مثيلا، قال كيف ذلك؟، قلت له أجيد عزف الكلمات، قال جيد ولكن على أي آلة تجيد عزف الكلمات، قلت له أجيد عزفها بفمي، قال تقصد الصفير، قلت له لا، الا تعلم ان الكلمات بها موسيقى أسمى مما تعزفه انت على عودك، لم يتمالك نفسه من الضحك، وكانت المرة الأولى التي أراه يضحك فيها، قلت له سأسمعك شيئا.
لكن عليك أن تنحي عودك جانبا وتتوضأ وتؤكد على غسيل أذنيك جيدا لأنك ستسمع موسيقى غير الموسيقى التي تعزفها... أخرجت «اللاب توب» وقمت بتشغيل احد كبار المقرئين في العالم الإسلامي وكانت القراءة في سورة الفجر، استمع في بادئ الأمر دون اهتمام، ولما وصل القارئ إلى قوله تعالى « كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما» بدأ يزداد انتباهه.
ومع قوله تعالى « يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي» اغرورقت عيناه بالدموع وطلب مني نقلها إلى الكمبيوتر الخاص به، لاحظته بعد ذلك اليوم يستمع إلى السورة مرارا وتكرارا، وفي يوم سألته عن سر اهتمامه بأواخر سورة الفجر، كان يجيبني بكلام لم استطع تفسيره وكان يردد أن هناك سرا يربطه بأواخر هذه السورة يفضل أن يحتفظ به لنفسه.
كاد الفضول ان يقتلني، وبدأت أفكر في هذا الصمت الذي يكاد ينطق ويعبر عما يجول بصاحبه، مرت الأيام وبدأت اقترب منه شيئا فشيئا وعرفت انه يعمل في مجال الكمبيوتر وانه رغم سنه الصغيرة فإن الكثيرين من زملائه يحيلون إليه الكثير من صعوبات العمل التي يتعامل معها بمهارة فائقة.
بعد الرجوع من الإجازة السنوية كانت الأفكار مازالت تتصارع داخلي حول صمت هذا الفتى الذي لم يبلغ الرابعة والعشرين من عمره وهذا الكم من الحزن الذي يخفيه خلف ابتسامته المصطنعة أحياناَ، قررت فجأة أن أصارحه بما يدور في داخلي، وطرحت عليه عدة أسئلة، قال لي نعم يوجد ما يجعلني في هذه الحالة لكنني أقسمت على نفسي ألا أبوح به لأحد.
احترمت إرادته ولم ألح عليه.. في مناسبة أخرى خرجنا سويا وقال لي انه يريد ان يخبرني ببعض الأشياء، جلسنا وبدأ يسرد علي بعضا مما لا اعرفه عن تاريخ العراق الشقيق ثم أكد لي انه يحب بلده حبا شديدا وانه قدم له تضحيات لم يقدمها احد من قبل، لقد استشهد على أرض العراق خمس من اخواته وأخوه الطفل ووالدته على يد الغزاة.
وهم الذين لم يقترفوا إثما ولم يحملوا سلاحا في وجه المعتدين... هنا عرفت الإجابات المريرة لحيرتي نحو هذا الصمت الذي يرافق صديقي، وأدركت المحنة الكبرى التي يعيشها جيل بأكمله.. وأدركت أن هؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم سيكونون يوما ما ضوءا لذويهم لعبور جسور المحن في طريق طال ظلامه.
محمد صلاح
