الو.. شركة تنظيف المباني والمفروشات؟

نعم.

أرغب بتنظيف الكنب عندي في البيت؟

حاضر.. أين العنوان وسنكون غداً في العاشرة صباحاً عندك.

إليك العنوان.. ولكن إذا لم يعجبني التنظيف لن أدفع لكم.

لا تشغلي بالك يا مدام نحن بالخدمة.

كان صوت الرجل ودودا ومتواضعا، فأحست بخشونتها وهي تتحدث بطريقة الآمر، لكنها لم تشأ أن تستسلم للوعود، فهي تحتاج إلى عمليات التنظيف فحماتها قادمة لزيارتهم، وسيكون هاجسها البحث عن أي خلل في البيت، لذا فالاستعانة بشركة تنظيف أقصر الطرق لتفادي المشاكل، ولو علمت حماتها أنها استعانت بشركة تنظيف لاتهمتها بالتبذير.

لكنها ستحاول انجاز كل شيء قبل الموعد، حتى أنها استعانت بخادمة جارتها لمساعدتها في ترتيب البيت، لتضمن زيارة بلا منغصات. طرق الباب شابان عربيان، ففتح زوجها الباب لهما وبدأ في انجاز مهمتهما، حتى إنهما اتقنا عملهما بجد وإخلاص، وكانت النتيجة أفضل مما توقعت.

انشرحت أساريرها وهي تقدم لهم المبلغ المتفق عليه، وأثناء ذلك دار حديث بيننا حول عمل الشابين وسبب اختيارهما له، تحدث أولا مصطفى بخجل عن تجربته قال: كنت أعمل في التدريس في بلدي وقد تزوجت قبل عامين، وبعد الزواج نصحني بعض الأصدقاء بالسفر لتأمين حياة أفضل لزوجتي وطفلي، وبالفعل حملت شهاداتي وجئت هنا، لكن الأبواب أغلقت في وجهي.

ولم أجد فرصة في التعليم الخاص والحكومي، ولم يكن قد تبقى على انتهاء زيارتي سوى أيام معدودة حين عرض علي أحد الأصدقاء، وكان قد جاء قبلي بسنوات إلى البلد أن أعمل في شركته بمجال التنظيف، فكنت أمام خيارين أما تقبل العمل وصعوبته الذي لم أتعود عليه، وإما العودة خالي الوفاض إلى بلدي بعد أن أنفقت ما أملك على تكاليف السفر.

فقررت حينها أن أبقى لأعوض ما خسرته، لكني لم أخبر أسرتي بطبيعة عملي وها قد مرت ثمانية شهور وأنا أقوم بهذا العمل. أما زميله حسام فقد كانت له حكاية أخرى حيث تم إنهاء خدماته في إحدى شركات المحاسبة ولم يجد سوى شركة التنظيف أمامه بعد أن تعب في البحث عن عمل، وصار عليه أن يسدد أقساط القرض الذي أخذه وأرسله إلى بلده.

تردد حسام قبل أن يذكر أن المشكلة لا تكمن في عمله فقد تعود عليه، لكن المشكلة في أهله الذين تعودوا على مبالغ أكبر من راتبه الحالي، وهو يبقي عمله سرا لأنهم لن يتقبلوا أن يكون ابنهم عامل تنظيف.

مصطفى لا يلتقي بأي من معارفه هنا، وهو يدعي أنه يعمل بالتدريس في منطقة نائية، ويخشى أحيانا أن يذهب إلى أحد البيوت فيجد من يعرفه فيها، وقد أصبح بعيدا عن كل ما يحبه «عمله في التدريس»، زوجته، وطفله، وأحلامه التي رسمها في السفر والعمل وتأمين المستقبل.

وأثناء سماع الزواج قصة الشابين، قرر مساعدتهما بالبحث لهما عن عمل مناسب، اخذ رقم هاتفيهما وطلب منهما إحضار شهاداتهما، وقال لهما سوف أحاول مساعدتكما لأنكما قبلتما هذا العمل وهذا يعني أنكما تحترمان العمل.

شعرت هي بالفخر والاعتزاز بزوجها ونسيت نكد الحماة بل إنها أحبت حماتها التي استطاعت أن تربي رجلا صالحا هو زوجها، قالت في نفسها لو ان أمي تزورنا لوجهت لي الانتقادات نفسها، ولم أكن لأتضايق منها فلماذا أزعجني حين تكون من حماتي؟.

دلال جويد