أكد الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين ومدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي أن الحسابات الفلكية لا يصح اعتمادها لإثبات الهلال دون اعتبار للرؤية، وذلك باتفاق المذاهب الأربعة، ولوضوح الأدلة الواردة في ذلك.

واستند الدكتور الحداد في هذا إلى عدد من الأحاديث النبوية، فقال: أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له»، وأخرجا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، ومن حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب؛ الشهر هكذا وهكذا وهكذا. يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.

وقال الدكتور الحداد إن هذه الأحاديث تدل على وجوب اتباع الرؤية إن أمكنت، بأن كانت السماء صحواً، فإذا لم ير الهلال، أو كان في السماء غيم لا تمكن معه الرؤية، وجب إتمام شعبان ثلاثين يوماً، ومن أجل ذلك كان من المتعين إثبات دخول شهر شعبان بنحو ما ذكر.

وأوضح أن السنة ندبت تحري الهلال من أجل رمضان، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أحصوا هلال شعبان لرمضان» كما أخرجه الترمذي وغيره، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان رسول الله يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام» كما أخرجه أبو داود.

وقال إن هذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم، وكل ذلك إذا ثبتت الرؤية مع احتمال ثبوتها، فإن لم تحتمل، بأن كانت ولادة الهلال مستحيلة فلكيا، ودل الحساب القطعي على عدم إمكان ولادة الهلال في تلك الليلة، فعندئذ يتعين رفض قول مدعي الرؤية ؛ لأن الرؤية ظنية إذا كانت من آحاد الناس، والحساب قطعي، إذا كان مبنياً على مقدمات يقينية لا يختلف عليها علماء الفلك، فلا يترك القطعي للظنيات.

كما قرر ذلك العلامة تاج الدين السبكي في العلم المنشور في إثبات الشهور ( صفحة 25 ) حيث قال: فإذا سلمت البينة من هذه الأمور ـ يعني قصد الشهادة من أجل التدين بتصويم الناس، أو بقصد إثبات تزكية نفسه بقبول شهادته- وسلم موضع الهلال من الموانع.

وحاسة الشاهد من الآفات، فعندئذ نقبل شهادته إذا جوزنا الرؤية، فإن أحلناها بدليل قام عندنا، لم نقبل تلك الشهادة وحملناها على الغلط أو الكذب، ولم نكن بذلك خارجين عن القانون الشرعي، قال: لأن دلالة الحساب القطعي أو القريب من القطعي على عدم الإمكان أقوى من الريبة، والريبة موجبة لرد الشهادة، فاعتقادنا عدم الإمكان كذلك أو أقوى.

وقرر هذا أيضاً العلامة شهاب الدين القليوبي في حاشيته على شرح المحلي للمنهاج 2/ 49 نقلاً عن العلامة العبادي، فقال: إنه ظاهر جلي، ولا يجوز الصوم حينئذ، ومخالفة ذلك معاندة ومكابرة 1هـ

وقررها كذلك العلامة السيد محمد بن عبد الرحمن الأهدل في عمدة المفتي والمستفتي 1/ 210 وقال: إن السبكي لم يعتبر الحساب معارضة للشهادة، وإنما أبطلها به،لأنها ـ أي الشهادة ـ مخالفة للحس والعقل.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على مثل هذا فاشهد». كما أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: وهذه قرائن تدل على أن الشاهد اعتمد الظن، قال: فهو - أي السبكي - لم يعتبر الحساب في الصوم والفطر، وإنما رد به الشهادة لمخالفتها للحس 1هـ .

هذا وقد قال بوجوب العمل بالحساب الفلكي جماعة من المتقدمين والمتأخرين منهم مطرِّف بن عبد الله بن الشخير من التابعين، وأبو العباس بن سُريج من الشافعية، وابن قتيبة من المحدثين، وسار عليه بعض المعاصرين كالعلامة الشيخ مصطفى الزرقاء كما في فتاواه (ص 157- 169 ) .

والشيخ القرضاوي وغيرهم، استناداً إلى مفهوم المخالفة من الأحاديث التي ورد بها التعليل بالأمية، وأن لازم ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم وقومه العرب إذ ذاك لو كانوا من أهل العلم بالكتاب والحساب بحيث يستطيعون أن يرصدوا الأجرام الفلكية ويضبطوا بالكتاب والحساب دوراتها المنتظمة التي نظمتها قدرة الله تعالى العليم القدير بصورة لا تختل ولا تختلف ولا تتخلف.

حتى يعرفوا مسبقاً بالحساب متى يهل الهلال الجديد فينتهي الشهر السابق ويبدأ اللاحق؛ لأمكنهم اعتماد الحساب الفلكي، وكذا كل من يصل لديهم هذا العلم من الدقة والانضباط إلى الدرجة التي يوثق بها ويطمئن إلى صحتها.

وأضاف: غير أن هذا الفهم وإن كان وجيهاً من حيث هو، فإنه يخالف ما عليه جمهور العلماء من مختلف المذاهب، وإن كان قد قال بعضهم بوجوب العمل به، ولكن في حق الحاسب فقط أو من صدقه، لا أن يكون حكماً عاماً تثبت به الرؤية شرعا لدى الجميع.

فإن ذلك لا يسعف به الدليل نصاً ولا مفهوماً، وغاية ما تقرر عن التاج السبكي وغيره هو إلغاء الشهادة الظنية لا المتواترة للحساب القطعي، ولا يعني ذلك ثبوت الهلال بالحساب، بل يعاد إلى الأصل وهو إتمام الشهر ثلاثين، وعندئذ يدخل في الصوم أو الفطر بيقين..

وأكد أن هذا ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة بقراره رقم 18 حيث قال: يجب الاعتماد على الرؤية ويستعان بالحساب الفلكي والمراصد، مراعاة للأحاديث النبوية والحقائق العلمية.

وأشار الدكتور الحداد أنه بهذا القدر يرتفع الخلاف الكثير الذي يحدث في الأمة عند إثبات الشهر، فإن على الفلكيين أن يبرهنوا على استحالة إثبات الرؤية في الليلة المدعى فيها ولادته.

وعندئذ ستلغى الشهادة الظنية وهي التي لم تبلغ مبلغ التواتر، وسيتحد المسلمون في الصوم والإفطار والحج، ويرتفع الخلاف، ولا نحتاج عندئذٍ إلى مصادمة النصوص الدالة على رفع الحرج على الأمة أو تأويلها بما يخالف ظاهرها.

دبي ـ السيد الطنطاوي