عندما كانت بلاده لا تزال تحت سيادة الاتحاد السوفييتي السابق، كان الرجل يمتلك مصنعاً صغيراً في إحدى غرف بيته لصناعة السجاد، لكنه بعد ذلك طوّر مصنعه وأحضر آلات غزل حديثة وأصبح لديه المئات من العمال، فقد أصبحت بلاده الآن تؤمن بالانفتاح الاقتصادي والتجارة الحرة بعد أن تحررت من القبضة السوفييتية.
السفر إلى الدول الغنية
بدأ (ر) صاحب السجاد يسافر إلى البلاد الغنية يعرض سجاده في أفخم الفنادق العالمية فاشتهر سوقه وبدأت سمعته تسبقه إلى الكثير من البلاد، ليس هذا فقط، بل إن نخبة من الأمراء والملوك والأثرياء في العالم كانوا يتصلون به ليشتروا منه سجاده.
كان السجاد الذي يقدمه (ر) غالي الثمن، فقد كانت السجادة التي يصل طولها إلى متر وعرضها نصف متر يصل إلى نحو 100 ألف دولار، وكان هذا النوع من السجاد لرسم صور الأمراء والملوك والأثرياء عليه، ثم يأتي السجاد الأكبر حجماً وهو الذي تُرسم على الزخارف حيث يبلغ طول هذه السجادة مترين وعرضها متر وكان سعرها يصل إلى 200 ألف دولار.
في يوم قال له أحد المسؤولين الكبار إنك تبالغ جداً في أسعار السجاد الذي تبيعه، فقال (ر): إنني لا أبالغ يا سيدي بل إنني أكاد أخسر في ذلك. وأضاف الرجل أنت لا تعرف كيف تُصنع هذه السجادة أو تلك، فأنا عندما أريد أن أصنع سجادة طولها متران وعرضها متر واحد فإنني أقوم بذبح نحو 100 رأس من النعاج أو يزيد.
وقال الرجل إنني أنتظر عندما تكون النعجة حاملاً في شهرها الرابع ثم أقوم بذبحها وأستخرج الجنين الذي بداخلها ثم أقوم بسلخ جلده من أجل صوفه، ويكون الصوف ناعماً جداً بل أكثر نعومة من الحرير، ثم أقص الصوف الذي لا يزيد طوله على 2 إلى 3 سم.
وأبدأ في تجميعه حتى يكتمل عندي صوف نحو مئة جنين لا تتجاوز أعمارها الأربعة أشهر وهي في بطن أمهاتها، وبعد ذلك تتم عملية غزل الصوف يدوياً ولأن الصوف قصير فإن عملية غزله تحتاج إلى مهارات خاصة وصبر طويل، ومن هنا ترى كم أخسر نعاجاً وأجنَّة لم تُولد بعد وجهداً طويلاً وعاملات مدربات تدريباً خاصاً على غزل هذا النوع من الصوف.
وأضاف الرجل إن المشكلة تصبح أكثر كلفة عندما يطلب أحد المسؤولين الكبار جاكيتاً من جلد هذه الأجنَّة، حيث ننقع جلود الأجنّة التي يتم استخراجها من بطون أمهاتها وهي لا يزيد عمرها على شهرين ونصف أو ثلاثة أشهر بذبح النعجة ثم أخذ جلد الجنين، حيث يتم نقعه في مسحوق الزعفران والقرنفل.
وقال الرجل إذا عرفت أن سعر كيلو الزعفران الذي يُزرع في منطقة القوقاز يزيد على 30 ألف دولار وإذا عرفت أن جاكيتاً واحداً يحتاج إلى ذبح ما بين 50 إلى 60 نعجة لأخذ الأجنَّة التي بداخلها لعرفت كم أخسر من أجل أن أوفر للأثرياء في العالم شيئاً مميزاً.
استغرب الجالسون لهذا الحديث، فهم يعرفون لأول مرة أن سجادة صغيرة أو جاكيتاً يحتاج إلى ذبح هذا العدد الكبير من النعاج والتضحية بعدد مماثل من الأجنَّة. ورغم أن هذه العملية تحمل الكثير من القسوة وعدم الرحمة.
إلا أن الكثير من الأثرياء يريدون أن يكونوا مميزين في كل شيء. اشتهر الرجل كثيراً ومن مصنع لا يتجاوز غرفة في بيته إلى طائرة خاصة تحتوي على عدد كبير من قطع السجاد غالية الثمن، وعدد لا بأس به من حسناوات وبنات القوقاز.
حسابات في المصارف العالمية
أصبحت للرجل حسابات في المصارف العالمية وأصبحت أمواله كثيرة للغاية، لذا كان في كل دولة يروِّج فيها بضاعته كان له حساب خاص في واحد أو اثنين من بنوك تلك الدولة. كان الرجل لا يؤمن بالشيكات، بل بالدولارات نقداً.
ولهذا كان يطلب من عملائه عندما يدفعون له قيمة السجاد أو الجاكيتات التي كان يبيعها أن يوفروا له سيارة خاصة لنقل الأموال إلى البنك مع حراسها الشخصيين. كانت هذه المسألة بسيطة، فهناك الكثير من الشركات التي تقوم بمثل هذا العمل، مقابل مبلغ من المال.
كان الرجل قد استأجر خزنة في أحد البنوك الدولية المعروفة وكان بعد أن يطمئن على أن النقود قد دخلت الخزنة التي في البنك ينتقل إلى دولة أخرى عارضاً على أثريائها بضاعته التي عادة لا تُرد، خاصة وأن اللواتي يعرضنها ويسوقِّن لها كن من أجمل فتيات القوقاز المشهورات بجمالهن الأخاذ.
وصل الرجل إلى مكانة عالية من الثقة حتى أن مجرد وجود علامته التجارية على بضاعة كانت تجعل من تلك البضاعة مطمعاً للكثيرين. في أحد الأيام مرض الرجل فعرف أحد أصدقائه الأثرياء بذلك، فكانت فرصة للصديق أن يذهب ليزور الرجل في بيته ويطمئن علي ويتعرف على مصنعه الذي ينتج هذه البضائع الرائعة.
عندما وصل الصديق إلى بيت الرجل استقبله بحفاوة غير عادية وأسكنه في جناح خاص بقصره الذي يطل على بحر قزوين، اهتم الرجل اهتماماً خاصاً بصديقه، فهو يعرف مكانة هذا الصديق في بلده، وطبعاً كان برفقة الصديق أربع من الحسناوات يقمن على شؤونه وخدمته.
أعجب الصديق كثيراً بالحفاوة التي قوبل بها وبالحسان الأربع اللواتي كن معه، ولولا أن الصحة لا تساعد لطلب الزواج منهن جميعاً لكنه آثر واحدة منهن فطلب يدها من الرجل الذي رحب على الفور، ليس هذا فقط بل طلب الصديق من الرجل أن يعملان معاً بحيث يكون الصديق وكيل أعمال الرجل وشريكه. اتفق الرجلان على كل شيء، وعاد الصديق إلى بلاده وهو يتأبط ذراع أجمل امرأة شاهدها في حياته، كما كان يحمل في حقيبة يده عقد الشراكة.
عندما وصل الرجل إلى بلاده قام بإسكان زوجته الجديدة في إحدى الفلل التي يمتلكها، ثم قام باستئجار ركن في أحد الفنادق ذات النجوم السبعة ليكون هذا الركن مكاناً لعرض قطع السجاد باهظة الثمن التي تُصنع من صوف أجنَّة النعاج.
سارت الأمور على ما يُرام، وبدآ يحققان أرباحاً كبيرة من وراء ذلك، كانت المرأة القوقازية تذهب لزيارة أهلها على فترات قريبة، كان الهدف من الزيارة هو مشاهدة أهلها وإحضار المزيد من قطع السجاد، كما انها كانت تحمل معها رزماً من الدولارات لإيداعها في حساب الرجل.
كانت المرأة القوقازية عندما تأتي في طائرة زوجها الخاصة تُقابل بكل ترحاب وذلك لأن زوجها الرجل المعروف عادة ما يكون في انتظارها في المطار وحتى لو لم يكن في انتظارها فإن الطائرات الخاصة عندما تنزل في المطار فإن الطاقم كله في المطار يعرف لمن هذه الطائرة ومن هو صاحبها.
كانت سيارة خاصة تنتظر المرأة القوقازية عند سلم الطائرة لتأخذها إلى فيلتها، أما ما تحمل الطائرة من حقائب وقطع سجاد وغيرها فقد كانت تذهب إلى صالة كبار الزوار حيث كان طاقم الطائرة يتولى إخراجها من الجمارك.
وقوع حادث للسيارة
في أحد الأيام بينما كانت السيدة القوقازية وزوجها عائدين إلى بلاد الزوج وقع حادث للسيارة التي كان من المفروض أن تنتظرهما عند سلم الطائرة، ما استدعى أن يمر الزوج عبر بوابة الـ ضةذ (الشخصيات المهمة)، وكان هذا يستدعي أيضاً أن تمر حقيبة يد السيدة وشنطة يدها عبر «الاسكانر».
لاحظ الموظف عبر جهاز «الاسكانر» أن شنطة السيدة تحتوي على 12 رزمة من الدولارات وأن الدولارات مجوفة من الداخل. على الفور أخبر الموظف رئيسه وعندما تأكدا من المعلومة تم الاتصال بشخصية كبيرة، قالت الشخصية الكبيرة دعوا الدولارات تمر، ولكن قبل ذلك تأكدوا منها عبر الكلاب البوليسية.
بسرعة تم عرض الشنطة على الكلاب البوليسية حيث تأكد وجود المخدرات فيها، بدأت الأجهزة الأمنية تراقب الرجل وزوجته القوقازية حيث تبيَّن أن المرأة عقب وصولها ذهبت إلى البنك وأودعت في خزانة تاجر السجاد تلك الدولارات.
تم تسليط كاميرا خاصة على الخزنة حيث قامت الكاميرا بتسجيل فيلم طويل حول الأشخاص الذين يأتون بعد ذلك ويقومون بفتح الخزانة وإخراج الدولارات التي تحتوي على المخدرات منها. كانت كل حركة مراقبة بدقة حيث تم اعتقال المجموعة .
وهم من القوقازيين وقد تمت عملية الاعتقال وهم متلبسون، وفي أثناء التحقيق معهم اعترفوا بأن السيدة القوقازية هي التي تزوِّدهم بالهيروين وأن آخر كمية من الدولارات المجوفة كانت تحمل كيلو و800 غرام من الهيروين.
تم استدعاء زوج السيدة القوقازية الذي صُعق عندما عرف حقيقة زوجته التي لم يشك فيها ولا في صديقه التاجر مرة واحدة، لذا طُلب منه أن يطلب من زوجته أن تتعاون مع الأجهزة الأمنية للقبض على تاجر السجاد.
وافق الرجل على الفور، حيث أبدت المرأة استعدادها مقابل إخراجها من القضية، حيث كانت الخطة أن تعود المرأة القوقازية إلى بلادها وأن تطلب من تاجر السجاد الحضور إلى بلاد زوجها لتوقيع صفقة كبيرة جداً مع شخصية مهمة للغاية. بعد أسبوع لم تعد المرأة القوقازية ولم يأت تاجر السجاد وعندما اتصل زوج المرأة بأهلها للسؤال عنها أخبروه بأنها ماتت وتم دفنها قبل ثلاثة أيام.
هنا عرفت الأجهزة الأمنية أن تاجر السجاد قد كشف أمر السيدة القوقازية وأنه قام بقتلها، فقامت تلك الأجهزة بتقديم طلب رسمي إلى حكومة تاجر السجاد لتسليمه لها إلا أن حكومة التاجر لم تقم بذلك حيث لا يوجد بين الدولتين علاقات دبلوماسية على مستوى السفارة كما لا توجد اتفاقية بين الدولتين بتسليم المجرمين.
ومرَّت السنون
تم وضع اسم وصورة تاجر السجاد في قائمة المطلوبين للعدالة على أجهزة الكمبيوتر، ومرت ثماني سنوات لكن الرجل لم يظهر، وأخيراً وفي أحد الأيام تعرضت بعض الدول الأوروبية الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط لعواصف ثلجية عنيفة كان من نتائجها أن مطارات تلك الدول لم تعد تستقبل أي طائرة قادمة إليها لذا تم تحويل 12 رحلة إلى مطار الدولة التي كانت تطالب بتاجر السجاد لمحاكمته.
كان على تلك الطائرات أن تنتظر نحو 24 ساعة حتى يستقر الطقس في أوروبا، في هذه الأثناء تم تجنيد الفنادق والشقق المفروشة لاستيعاب المسافرين على تلك الرحلات في الدولة التي استقبلت الطائرات وعند التدقيق في أسماء الركاب كان من بينهم تاجر السجاد.
قامت قوة خاصة باعتقال التاجر الذي أنكر شخصيته في البداية، ثم قال التاجر إنه ليس من حقكم أن تعتقلوني لأنني على متن طائرة لدولة كذا، ووجودي على متن الطائرة يمثل وجودي على أرض تلك الدولة، فلا يجوز لكم ذلك. إلا أن الضابط أخبره بأن هذا الكلام صحيح لو أنه بقي على متن الطائرة ولم ينزل ولكن كونه نزل من الطائرة وهو على أرض الدولة التي تطالب بمحاكمته فإن كل الإجراءات صحيحة.
في أثناء التحقيق معه اعترف بأنه كان يتاجر بالمخدرات وأنه جمع من وراء ذلك ثروة كبيرة تُقدر بمئات الملايين من الدولارات وأنه كان يستخدم النساء الحسان لتمرير العديد من شحنات الهيروين والكوكايين، وأنه استخدم رزم الدولارات المجوفة والتي هي أصلاً دولارات غير حقيقية لإخفاء الكوكايين والهيروين فيها كون أن هذين النوعين من المخدرات غالية الثمن.
وحول مصير المرأة القوقازية قال الرجل إنه تلقى مكالمة من أحد عملائه يقول فيها إنه تم القبض على عدد من أفراد العصابة التي تقوم بتوزيع المخدرات، وأن العميل عندما حاول أن يتصل بالمرأة القوقازية لإخبارها بذلك كانت تغلق الهاتف وتنهي المكالمة قبل أن يقول لها العميل شيئاً، في حين أن المرأة كانت في المرات الأولى تستمع إلى مكالمات العميل وتوجهه ماذا يفعل.
وأضاف الرجل: أصبح واضحاً أن المرأة كانت تعرف بأن العصابة وقعت في يد الشرطة، وقال كنت أنتظر منها أن تخبرني لكنها لم تفعل، وعندما حضرت وطلبت مني أن أسافر معها إلى بلاد زوجها كنت أتوقع منها أن تخبرني بأن العصابة وقعت في يد الشرطة إلا أنها لم تقل لي شيئاً وعندما سألتها عن التوزيع وعن أفراد العصابة قالت إن كل شيء على ما يُرام والتوزيع يتم وفقاً للخطة المتفق عليها.
وقال الرجل بدأت أشعر ان المرأة تخدعني وأن وراءها مؤامرة، لذا طلبت من رجال التحقيق معها لكن لم يتوصلوا معها إلى نتيجة، فقد كانت امرأة قوية وعنيدة، لذا بدأت التحقيق معها بنفسي، وأول شيء قمت به لكي تعترف أن غرست مسماراً في عظم ساقها ثم أوصلت المسمار بتيار كهربائي عندها انهارت من شدة الألم واعترفت بأنها جاءت لتخدعني وتقنعني بأن هناك صفقة في حين كانت تريد أن تسلمني إلى الأجهزة الأمنية في بلاد زوجها.
وقال تاجر السجاد لقد كانت امرأة عنيدة، فلو أخبرتني منذ البداية بأن وراءها خطة وصارحتني بالحقيقة لبقيت عندي معزَّزة مكرَّمة من دون أن يلحق بها أذى، لكنها أبت إلا أن تخدعني فماتت تحت التعذيب.
بعد مرور نحو 18 ساعة كانت الطائرات قد بدأت بالإقلاع إلى الدول الأوروبية، في حين كان تاجر السجاد في طريقه إلى المحكمة لتسليمه لها بتهمة القتل والاتجار بالمخدرات. تم إخطار البوليس الدولي (الانتربول) بذلك، وبعد أقل من 48 ساعة كانت عدة دول تطالب بتسلم تاجر السجاد بتهمة إغراق مواطنيها بالمخدرات.
