كان حسن من أكثر الناس حبا للخير ومساعدة الفقراء والمرضى والمحتاجين .. صحيح انه لم يكن يملك الملايين لكنه كان يملك قلبا كبيرا وعاطفة قوية تجاه الضعفاء .. وحبه لعمل الخير لم ينبع من التباهي أمام الآخرين، فهو يعطي بيد لا تعلم عنها الأخرى، يبتغي من ذلك التقرب إلى الله وحده ..لا من الآخرين، وقناعته بأن العطاء بنية صافية خير وأبقى عند الله.
وان يدا تمتد وتعطي دون أن تدري اليد الأخرى لهو عمل يجزى عليه بغير حساب. هكذا عاش عمره، في الإحسان، وكفالة الأيتام، ومساعدة المرضى، والمحتاجين، وتقديم كل ما يستطيع عمله، أما كيف يطلع على أحوال الناس، فاقرب إليه الصحف اليومية التي يبحث فيها عن المرضى والمحتاجين، وأحيانا يسأل أصدقاءه وزملاءه عن محتاج أو مريض فيهب لمساعدته على الفور.
لكن حاله هذا لم يكن يرضي الكثير ممن حوله، خاصة زوجته التي كانت دائما تذكره، بأنه ليس من الأشخاص الميسورين أو من رجال الأعمال فهو مجرد موظف بسيط وان تصدقه للآخرين أحق بها وبأبنائها.. لكنه ظل على حاله ومازال يذكرها بأن الله هو الرازق وان ما يملكه من خير وان كان يسيرا فانه من عند الله وحده.
وأن عمل الخير والتصدق لا ينقص من المال، بل يزيده ويبارك فيه ويدفع عنه وعن أهله الشر والمكروه، كان بهذه الكلمات القليلة يحاول ان يرضي زوجته التي ترى كلامه غير مقنع بالنسبة لها، بالرغم من ان حسن لم يكن يبخل على أهله، وكان حريصا على سعادتهم.
هكذا مضت سنوات عمره، وهو يعطي لمن كان هو في حاجة، فإحساسه بالعطاء يمنحه السعادة والشعور بالرضا، والتقرب من الله تعالى كان أكثر ما يسعى له في حياته، فكم مريض كتب له الشفاء بعد أن قدم له المساعدة، وكم يتيم بات يومه سعيدا، وكم طالب أكمل دراسته وهو لا يعلم من أين جاءت مصاريف دراسته.
إلى ان جاء يوم تثاقلت على حسن الديون، وازداد إصرار الدائنين له، وها هم اليوم يطالبون بمالهم .. وحسن لا يملك منها شيئا فقد كان يعطي للآخرين دون ان يفكر بمثل هذا اليوم الذي أصبح قاب قوسين من أبواب السجن، لم يجد أمامه سوى التضرع الى الله، والتقرب إليه بالصلاة، وناجى ربه بالدعاء وأن يفك عنه كربته ويقضي عنه الدين، كان إيمانه بالله يقينا.
وأن فرجه قريب ورحمته واسعة، لكن كانت زوجته أول من تركته، لم تصبر على كربته وأسرعت إلى منزل ذويها تركته وحيدا يصارع الألم، وعندما علم بالحقيقة زاد من دعائه واحتسابه لله سبحانه، أيام مرت وهو على هذه الحال إلى أن جاء الفرج من حيث لا يدري .. انه فرج من الله لم يكن بعيدا، لقد دفعت كل ديونه بالكامل من شخص مجهول، شكر ربه كثيرا.
وفي قرارة نفسه تمنى ان يعرف هذا الشخص الذي تجاوزه بعطائه وصدقاته، بدأ حسن يسأل الدائنين وكل من يعرفه عن الشخص الذي قام بدفع ديونه، إلى أن قال له احدهم انه شاب في مقتبل العمر وتبدو عليه النعمة والثراء، واخبر الدائنين، انه يقوم بذلك ليرد جزءا ضئيلا من وفاء حسن الذي كفله في يتمه حتى أنهى تعليمه، وأسس عمله الخاص ورزقه الله الخير الكثير.
وعندما علم بما حدث معه لم يتردد في ان يرد جزءا صغيرا من صنيعه، الذي كان بفضل من الله سببا في إكمال تعليمه وتفوقه ونجاحه في الحياة. لم يتمالك حسن نفسه، وبدأ يجهش بالبكاء، وهو يصلي لربه شاكرا له زوال المحنة بعد ان من الله عليه بالفرج من قبل احد الذين كان يفك عنهم ويتصدق عليهم، وآل على نفسه ألا يمنع عن محتاج أو فقير أو يتيم طالما يملك في جيبه ولو قرشا واحدا.
ماجدة ملاوي
