تخيل أيها القارئ الكريم وأنت في هذا العصر الزاخر بمقومات التكنولوجيا الحديثة تخيل لو أن إعلاما بوسائله الثلاثة؛ المسموع أو المرئي أو المقروء الحديث والقديم، فالقديم مثلا هو الذي تمثل في بعض كتب التراث التي في بطونها الغث والسمين ففيه بعض المغالطات وعدم الأنصاف في بعض جوانب القضايا التاريخية.

وكذلك الأعلام الحديث فإذا أخذت هذه الوسيلة تعرض قضية ما وكل ما تورده في تلك الحادثة من أخبار أو تحقيق... مخالفا للحقيقة والصواب ومعظم الأطروحات المعروضة مجانبة للحقيقة وبعيدا كل البعد عن الصواب، وأخذت الوسيلة الإعلامية هذه أيضا تكيل الاتهامات والأقاويل التي ما أنزل الله بها من سلطان على مجتمع ما أو مذهب من المذاهب الإسلامية المعاصرة من دون إبراز أي دليل عقلي ولا نقلي قابل للتصديق أوفيه علامة من علامات الوضوح للأذهان.

فهل سترضى النفس البشرية بهذه الدعايات والشعارات البراقة التي توقد نار الفتنة بين الناس من أجل تحقيق مصلحة ما، ولربما أحدث هذا الإعلام دويا صاخبا فكان سببا من أسباب أثارة النعرات الطائفية التي قد تهلك الحرث والنسل في المجتمع المسلم وغيره وتأتي على الأخضر واليابس فمن غير المرجح أن تنصاع الفطرة البشرية لذلك الأعلام.

فكيف سيكون حال الذين يجرحهم هذا الأعلام هل سيرضون بذلك ويقتنعون عما قيل عنهم أو يقال وهل سيرضخون للعواطف الجياشة أو للانفعالات الوقتية؟ أو يقول احدهم إن هذا الأمر قضاء وقدر ولا نملك أي شيء من وسائل التغير وهل وهل وهل..فمن الطبيعي أن المجروحين سيعدون العدة ويجندون الأجندة الفعالة لتصحيح منهجهم وفكرهم ولعلهم يقومون بتغير مجريات الأحداث أن كتب لهم النجاح...

وهكذا فالفطرة البشرية دائما وأبدا لا يهدأ لها بال ولا يقر لها قرار إن رأت أي شيء يخلف منهجها المرسوم لها من قبل خالقها جل وعلا. فالفطرة إذاً صادقة؛ تحب الخير وتهرب من الشر تستأنس للعدل وتكره الظلم (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) {الروم/30 ويبين لنا الفيلسوف ابن سينا (ت 428 هـ / 1037 م ) من خلال حديثه عن الفطرة الصادقة في كتابه النجاة قوله إن (..... الفطرة الصادقة هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها إما شهادة الكل مثل العدل جميل، وإما شهادة العلماء أو الأفاضل منهم. وليست الذائعات من جهة ما هي ذائعات مما يقع التصديق بها في الفطرة.

فما كان من الذائعات ليس بأولي عقلي ولا وهمي فإنها غير فطرية ولكنها متقررة عند الأنفس لأن العادة مستمرة عليه منذ الصبا، وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناع المضطر إليهما الإنسان، أو شيء من الأخلاق الإنسانية مثل الحياة والاستئناس، أو الاستقراء الكثير.

إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي