«أريده أسطوريًا.. سأجعل زفافي حلم كل الفتيات لجماله..سأختال بزهو بفستاني الفخم في صالة العرس المزينة بالورود و»... تابعت حديثها لخطيبها الذي رسم ابتسامة مجاملة علها تعكس تظاهره بالاهتمام بحديثها السطحي المعتاد، فقد وجد في هذه الابتسامة الرد الوحيد المريح الذي لا يضطر معه للكذب حول رأيه بها وبعقليتها منذ ارتباطهما.

عاد عاما للوراء يتذكر حديثه مع شقيقته التي شنت عليه حملة مدروسة تظافر معها فيها، كل أقربائهم بل وأصدقائه لإقناعه بإنهاء فترة عزوبيته التي امتدت سنوات طويلة أثارت استغراب ونقد الجميع، فلم ينقصه يوُم مال أو علم أو نسب أو صحة أو حتى وسامة، كان ومازال الأفضل فميزاته وتأخره في الزواج لم يوجهانه نحو العبث، فميوله وهواياته كالقراءة الرياضة حفظت فكره وجسده، ورسخت أفكارًا صارت مع الوقت مبادئ وقيم صعُب عليه التخلي عنها، كأهمية اختيار الشريكة التي تعزز من ذاته ولا تضيع قيمه، وتكون المثال الحي لصورة بناته في المستقبل.

«كثرة الضرب يفك اللحام» أبتسم معترفًا بحسرة بقوة وصدق هذه المقولة، فلم تقف كل ثقافته وعلمه وقناعاته أمام إلحاح وضغط المحيطين به، للارتباط بها فهي ذات أصل ونسب جمال وخلق وعلم، وهذا ما ظهر منذ اللقاء الأول الذي اقتيد له من قبل فرقة الضغط بقيادة شقيقته، التي انتهزت لحظة إعجابه بالفتاة وبجمالها وخجلها، لتسارع بترتيب إجراءات الخطبة وعقد القران كي لا تترك له فرصة للتراجع.

«أنت لست معي كالعادة» أيقضه صوتها الحزين من أفكاره لينفي جملته، بكذبة بيضاء تعلمها ليخرج من حوارٍ مكرر لا طائل منه، فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تهُدأ أجواء الخلاف بينهما، فلم ينفع نقاش عقلي لتطوير طرق ولغة التواصل السطحي بينهما ولا تدخل الأهل الذين أكدوا أنها اختلافات بين الشخصيات ككل لا تفسد الود والارتباط، وقد حاول فعليًا أن يصدق حديثهم لكنه فشل، فرغم امتلاك خطيبته شهادةً علمية بدرجة عالية وانحدارها من بيئة ثقافية عريقة، إلا أن اهتماماتها لم تتأثر بهما لأنها لم تأخذ جوهر الشهادة وهو العلم، أو تكتسب قيم أهلها، بل أكتفت بالتفاخر بالاسم دون النظر لأسباب لمعان اسم عائلتها المنبثق من الثقافة والشجاعة والعلم.

«أريد تركيزك لم يتبقى للزفاف سوى أيام»، حمل هذه العبارة معه إلى فراشه مرعوباً ولأول مرة فقد تخيل حياته بعد أعوام معها، فخلال أقل من عام استطاعت أن تجعله يلجأ إلى الكذب والهروب من النقاش وترك هواياته والتواجد معها لفهمها والتقريب بينهما، كي لا يخسرها ويخسر معها أسرتها الطيبة وفرحة عائلته بارتباطه واقتراب ساعة تواجد أبنائه.

«أبناؤه» ردد هذه الكلمة بحسرة.. لطالما حلم بأن يحملهم ويغرس فيهم القيم الحميدة التي تحميهم من مطبات الحياة، بل وتجعل منهم فرسانًا يرسمون خريطة التاريخ، عبر مبادراتهم وأخلاقهم وشخصياتهم الشجاعة المنبثقة من قوة النفس والذات بالدرجة الأولى...أفاق فزعا من حديثه مع ذاته وذكرياته وأحلامه، ليواجه نفسه التي فقد اتصاله معها منذ فترة ليعترف... كيف يعطي أبنائه ما يفتقده وهل فاقد الشيء يعطيه ؟ فأي قوة يدعيها وهو يصر على طريق الخطأ ليرضى الجميع إلا نفسه وعقله وضمير، في مقابل أن يفقد نفسه واحترامه لشخصه.

خرج من المحكمة يستنشق الهواء بصورة غير اعتيادية هذه المرة، فمنذ زمن لم يكن هو نفسه بل كان ما أرادوه أن يكون، أبتسم لها وهو يودعها متمنيا لها حياةً أفضل مع من يقدر اهتماماتها ولا يضطر لتغيير نفسه.. لم تبادله الابتسامة ولا التمنيات بل عكست نظرتها احتقارا وتهجما تفهمه لكنه لن يعود للخضوع مرة أخرى لإرضاء الآخرين على حساب نفسه وقيمه، وحينما يجد شريكته المستقبلية وإن طال الانتظار، سيبنيان معًا حياة يسودها احترام الآخر حتى ولو كانت آخر أيام العمر، فلحظات مفرحة خير من عمر يقضى بحسرة وحزن.

رباب جبارة