أكد العلماء أن إخراج زكاة الفطر يجوز إخراجها نقداً إذا كان ذلك في مصلحة الفقير، كما يجوز نقلها من بلد لآخر لأسباب ومبررات معينة.
ويقول الدكتور أحمد بن عبدالعزيز الحداد كبير مفتين ومدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية بدبي إن الزكاة من العبادات المعقولة المعنى، فهل إخراج القيمة مما يحتمله المعنى في إخراجها، أم يقتصر فيها على الوارد تغليباً لجانب العبادة على المعنى؟، وأوضح أن أهل العلم اختلفوا في ذلك، والذي ذهب إليه جمهورهم، هو تغليب جانب العبادة فيها، وعدم إخراجها قيمة، لتضافر النصوص على وجوب إخراجها من جنسها.
فقد أمر الله تعالى بإيتاء الزكاة على سبيل الإجمال، وبينت السنة ذلك الإجمال من حيث النصاب والقدر والحول وغير ذلك، فوجب المصير إلى ذلك البيان، فهو صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ رضي الله تعالى عنه يوم أن بعثه لليمن: «خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقر من البقر»، ويقول: «في أربعين من الغنم شاة، وفي خمس من الإبل شاة»، وقال: «وفي خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر«. إلى غير ذلك من الأدلة التي تقتضي أن تخرج الزكاة من جنس ما وجب فيها، ولذلك إذا لم يتأت إخراج الواجب عيَّن بدله.
وقال: لو كان إخراج القيمة جائزاً لما كان لتعيين البديل معنى، وكذلك نص في زكاة الفطر على البر والتَّمر والشعير والزبيب والأقط، فلا يعدل على النص، ولأن الزكاة حق يخرج على وجه الطهر كالرقبة في الكفارة، فلو تصدق بقيمة العبد لم يجزه، ولأن إخراج القيمة في معنى شراء الصدقة، والمزكي لا ولاية له على مستحقي الصدقة حتى يشتري منهم، وكما لا يجوز إقامة السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة والأنف مع أن علة التذلل فيه موجودة، فكذلك هنا غير أن الإمام أبا حنيفة رأى خلاف ذلك، فأجاز إخراج القيمة في زكاة المال وزكاة الفطر، قال: لأن الواجب هو أداء جزء من النصاب من حيث المعنى وهو المالية، وأداء القيمة مثل أداء الجزء من النصاب من حيث إنه مال، ولأن إخراج الزكاة أمر معقول المعنى.
وهو الكفاية التي تحصل بمطلق المال، وهو يتحقق بالقيمة كما يتحقق بالعين. وفي السنة ما يدل لذلك في أحوال كثيرة، ومنها ما جاء عن أبي حازم الصَّنابحي الأسلمي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر ناقة مُسَّنة في إبل الصَّدقة، فغضب وقال: «قاتل الله صاحب هذه الناقة ـ يعني الساعي الذي أخذها ـ فقال: يا رسول الله إني ارتجعتها ببعيرين من حواشي الصدقة قال: فنعم إذاً».
وفي الأثر أن معاذاً رضي الله تعالى عنه كان يقول لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس في الصدقة، مكان الشعير والذرة، أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وقد فعل معاذ رضي الله تعالى ذلك، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، والإمام البخاري ساق هذا الأثر في صحيحه للاستدلال على أخذ القيمة.
ثم إن حاجات الفقراء يوم العيد على الأخص لا تقتصر على الطعام والشراب، بل حاجاتهم كحاجات سائر الناس من التوسع في الطيبات، ولبس الحسن من الثياب.. فإن أخذوا البر والأرز ونحوهما فإنهم لا ينتفعون بذلك في الغنى المقصود في الحديث إلا أن يبيعوه بأبخس الأثمان، وذلك غير مراد للشارع قطعاً.
ويقول الدكتور يوسف القرضاوي إن الأصل في زكاة الفطر أن يخرجها الشخص حيث يقيم، أما زكاة المال فيخرجها المسلم حيث يكون ماله، ولكن يجوز أن يخرج المسلم عن هذا الأصل لأسباب ومبررات، كما إذا كان مثلاً أحد إخواننا الفلسطينيين يعمل في إحدى إمارات الخليج وله أقارب في المخيمات محتاجون ويستحقون الزكاة، فالأولى به في هذه الحالة أن يبعث لهم زكاة ماله.
فنقل الزكاة إلى بلد غير الذي يقيم فيه، أو إلى بلد غير البلد الذي ماله فيه، جائز مع تلك المبررات.. ولو وكل عنه أحداً في دفع زكاته إلى مستحقيها جاز، ولا مانع من دفعها إلى من شاء من مستحقيها في نفس البلد، وهو الأصل.
دبي ـ السيد الطنطاوي
