التسوق في صباحات رمضان أكثر متعة من مساءاته، فالناس أقل ازدحاما وأكثر هدوءا منهم في المساء، لذا آثر أن يستغل ساعة الانتهاء من عمله للتسوق قبل أن يعود إلى البيت وتواجهه طلبات الإفطار التي صار يماطل بها زوجته كل يوم، وقد فاجأه أن تلك المرأة التي تتذمر من الطبخ وإعداد الطعام قد استيقظت في أول صباح رمضاني مقررة أن تصبح طاهية من طراز (الشيف الحديدي).

وصار يجد على مائدة الإفطار أسماء لأطعمة لم يسمع بها من قبل بدءا من السوشي الياباني وانتهاء بالفوتشيني الإيطالي، ولا يدري من أين تأتي بأسماء أطعمة مثل جذور البامبو والكانيلوني وغيرها من الأشياء التي كل يوم تكتب له قائمة بها فلا يجد مفرا من الاستعانة بالسيدات المتسوقات أو بموظفي المركز.

خاصة أنه لا يميز بين باقة البقدونس وباقة الكزبرة الخضراء، وكونه رجل يتسم بالهدوء والبعد عن المشاكل خاصة في رمضان فقد آثر السلامة وتجنب عن المنغصات وقرر أن يخرج من العمل إلى مركز التسوق ليدعم مهارات زوجته المطبخية وليستطيع النوم بعدها بهدوء.

سأل زميله عن الوقت فأجابه أن عشر دقائق بقيت على انتهاء الدوام، وحين عرف أنه يرغب بالتسوق حذره من دخول الجمعية في هذا الوقت لأن معظم الموظفين يهرعون إليها بعد الدوام بحثا عن الأسعار المناسبة مع أن لاشيء بقي مناسبا هذه الأيام، سمع نصيحة صاحبه وتوجه نحو مركز آخر أكثر اتساعا وهدوءا، وبالفعل وجد هدوءا لم يتوقعه فصار يتمشى في المركز مطمئنا إلى حالته التي تنعش القلب وتبعث السرور في نفسه، اشترى لزوجته طلباتها العجيبة بعد اتصالات هاتفية عديدة للتأكد من المواد المطلوبة وقد اكتشف أن أسعارها مرتفعة جدا كونها تأتي بالطائرة من بلدها المنتج.

قرر أن يكافئ نفسه ويشتري زجاجة عطر فقد مر زمن طويل لم يشتر فيه لنفسه شيئا حتى لم يعد يتذكر متى كانت آخر مرة دخل فيها محل العطور، لكنه وجد المحل مغلقا وكانت قد سيطرت عليه فكرة مكافأة نفسه على انجازه مهمة التسوق بنجاح، فدخل إلى محل الملابس الإيطالية الذي يقيم خصما أبديا على منتجاته يصل دائما إلى خمس وسبعين بالمئة، وبدأ بتفحص القمصان بينما كان البائع يؤكد أن بضاعتهم ايطالية مميزة، فقال الرجل :

دعك من هذا الكلام فقد أتيت للشراء وأنا أعرف أن معظم بضاعتكم إن لم تأت من البلد العربي الذي يقلد البضاعة فإنها تصنع هنا في جبل علي لذا سأشتري قميصا وأخرج فلا تتعب نفسك بإقناعي.

صمت البائع مبتسما تاركا المجال لصاحبنا لينتقي قميصه، ولم يطل الوقت بالرجل فقد انتقى قميصا أعجبه واختار معه ربطة عنق ودفع ثمن مشترياته وخرج، وجد محلا للزهور قبالته، فحدث نفسه أنها ستكون بادرة جميلة أن يشتري باقة ورد صغيرة لزوجته، فهي دائما تشتكي من أنه لا يهتم بها ولا يقدم لها الزهور، لذا اختار باقته على عجل وخرج من السوق نحو سيارته ليكتشف أن الساعة تجاوزت الرابعة ولابد من العودة بأسرع ما يمكن.

اتجه نحو الشارع الرئيس فأذهله حجم الزحام الموجود، صبر حوالي نصف ساعة حتى يصل إلى أول مخرج يبتعد به عن الشارع المزدحم، حدث نفسه أن الطرق الخارجية ستكون أفضل لذا توجه إلى طريق بعيد توقع أن يكون أكثر هدوءا لكنه وجده مزدحما كذلك ويبدو أن حادثا كبيرا قد وقع، فسيارات الاسعاف تحاول اختراق السيارات المتراصة،نظر إلى باقة الورد ليخفف من توتره، مرت ساعة، ساعتان، فات وقت الافطار ولم يجد في مشترياته ما يستطيع أكله، ما زال بيته بعيدا ويومه السعيد لم يختم بنهاية سعيدة كما توقع، نظر إلى باقة الورد التي بقيت منتعشة بينما شعر بروحه تذبل أمام سطوة الزحام.

دلال جويد