مازالت زوجته هي الأجمل بين نساء الدنيا في نظره رغم تعرضها للحريق في أجزاء مختلفة من جسدها، بل انها الآن أغلى وأجمل من أي وقت مضى كيف لا؟! وهي التي أنقذت ولدهما الوحيد من موت محقق، مرت سنوات وما زالت الذكرى عالقة في ذهنه، يتمنى أن تزول وان تمسح آثارها لكن بلا جدوى، فالمشهد الذي أفزعه ما زال يشحذ ذاكرته، ولا يفارقه أبدا، وكلما تذكره تنهمر دموعه، يتذكر زوجته وابنه الوحيد ممددين خارج الغرفة الملتهبة، وحولهما الجيران يرشان الماء عليهما، ويدعون له بالصبر على قضاء الله وقدره.
ذلك اليوم لم يكن يوما عاديا في حياة فيصل لأنه شهد أصعب صدمة تعرض لها في حياته، عندما جاء إلى بيته عائدا من العمل كالمعتاد، ليجد النار تتأجج والدخان يتصاعد من حجرة النوم التي كان يعيش فيها هو وزوجته وابنهما عبدالله، الذي لم يكمل عامه الأول، حينها صعق بما رأى..
وتمنى لو أن الأرض انشقت وابتلعته، يومها انهارت قوته، وكاد أن يسقط على الأرض مغشيا عليه، لولا صوتا صرخ بخبر نجاة زوجته وابنه، حينها لملم بقايا قواه وركض مسرعا للاطمئنان عليهما، فاجتاحته مشاعر الأبوة.. وتهللت أساريره بل وارتسمت تباشير السرور على وجهه، حمد الله انهما على قيد الحياة.
ومازال فيصل يتذكر الحادثة حتى اليوم، ويعيد وصفها بنفس الصورة التي شاهد فيها زوجته وابنه، حين كانت زوجته ممددة على الأرض، بالقرب من باب الحجرة وحولها جاراتها يحاولن إيقاظها برشق المياه على وجهها بينما طفلها الصغير عبدالله يبكي بين يدي إحدى النساء المحلقات حولها، وحين اقترب منه بهدوء ليلتقطه، ويقلبه كأنه يحاول أن يكتشفه من جديد، ويقول إن بكاء أيقظه من الصدمة التي صادرت قواه، فوجد بعض الحروق الطفيفة على وجهه ويده، حمد الله على سلامته، ثم لاحت في ذهنه هواجس البحث عن زوجته والاطمئنان عليها، وإذا به يسمع صوتاً هامساً ينادي فيصل.. فيصل..
التفت باتجاه الصوت فإذا هي زوجته، سارع إليها يتلمسها ليطمئن عليها، الصوت صوت زوجته أم «عبدالله».. لكن الملامح مختلفة، سمعها تقول بصوت ضعيف أضناه التعب: اطمئن «عبدالله» بخير..
هنا أدرك بأن زوجته آثرت سلامة طفلها على نفسها، رمت بجسدها في الحجرة وهي ملتهبة، وتشتعل في أرجائها النار، فداء لابنهما الصغير، واجهت ألسنة اللهب والدخان الكثيف الذي كان يملأ حجرة النوم غير آبهة بآلام الحروق الشديدة التي أصابتها.. أدمى المنظر جرحه النازف واعتصر الألم فؤاده.
أما تفاصيل الحادثة فيسردها بعد ان سمعها من زوجته، فيقول:الحادثة حصلت بينما كانت أم فيصل تهم بأعمال المنزل إذ رأت السنة اللهب تتصاعد من حجرة النوم، فركضت إلى حيث كان يمكث طفلهما الصغير، وأبت أن تفارق الغرفة إلا وابنها عبدالله بين يديها.
وتعرضت لحروق شديدة في معظم أنحاء جسدها، وفي وجهها بسبب كثافة الدخان والسنة اللهب التي كانت تحول دون رؤيته، فضلت تتلمس الجدران والأثاث إلى أن وجدته مختبئا تحت السرير، فأخذته وهمت به مسرعة خارج الغرفة، لتنقذ حيات طفلها فلذة كبدها، أنها في نظره اليوم وغدا أجمل نساء الدنيا هي التي حمت ابنها من الاحتراق وهي التي برهنت على صدق وتضحية الأم، وما زال مصطفى يروي قصته حتى اليوم.
فراس العويسي
