«اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» دعاء استهلت به صباحها، وتحسست بطنها في محاولة لمداعبة جنينها والاطمئنان عليه، نهضت من فراشها متكاسلة وسارت بخطى متثاقلة نحو خزانة ملابسها، بحثت بين محتوياتها عن قطعة فضفاضة ترتديها تحت عباءتها، ووجدت ثوبا واسعا فارتدته على عجل غير مبالية بسمة الأناقة التي تحلت بها بين زميلاتها طوال سنوات عملها.

توجهت إلى عملها مسرعة بعد أن فاتتها بضع ساعات من بدايته، شرعت في شرح أسباب تأخرها لمسؤولتها المباشرة وأعادت سرد سيناريو ظروفها الجديدة والضغوط النفسية التي تؤثر عليها في ظل الظروف المعيشية التي تحيط بها بدءا من القيام بواجبات الأسرة وتأمين كافة متطلبات زوجها من تجهيز الطعام وغسل الملابس وتنظيف المنزل وغيرها وذلك بعد أن قررت خادمتها ترك مهام المنزل لصاحبته ولاذت بالفرار إلى غير رجعة.

تفهمت مسؤولتها ظروفها بعد أن شعرت بحاجتها للراحة وتعاطفت مع وضعها الصحي وحبها للعمل وأذنت لها بمتابعة مهام عملها وتعويض ما فاتها من معاملات تجنبا لتراكمها، حاولت جاهدة القيام بمهام العمل وإظهاره بصورة لائقة وأعادت التدقيق على البيانات تلافيا للأخطاء.

وفي ظل انشغالها التام بالعمل، صاح منبه هاتفها يذكرها بموعد المستشفى الذي لا يمكن تأجيله، ففكرت قليلا في إيجاد وسيلة تخلصها مما هي فيه من ظروف، ترددت في طلب الاستئذان بالخروج ولكنها شعرت بأهمية الأمر وكان لا بد لها من ذلك.

وقفت حائرة عند مكتب مسؤولتها، تتقدم تارة وتتراجع تارة أخرى، شعرت بحرج شديد في البداية لكنها قررت أن تحسم الموقف باتخاذها جميع المعاملات التي أنجزتها والتي لم تسعفها الساعات القليلة في تخليصها ذريعة، ورأت أن تقدمها للمسؤولة ووعدتها بأن تنهي الباقي في المنزل، وعلى مضض، سمحت لها مسؤولتها بالخروج مذكرة إياها بتأخيره الدائم واستئذانها المتكرر.

كظمت ما بها وفضلت السكوت على الرد وتظاهرت بالرضا، همت بالخروج من مكتبها تتملكها رغبة في البكاء، وما عساها أن تقول وهي مدركة أن لكل موظفة ظروفها التي تجبرها على التحمل، فما بال الموظفة الحامل التي طال انتظار حملها ورزقها الله بالذرية بعد سنوات طوال من الانتظار.

قادت سيارتها متوجهة نحو المستشفى، وصلت حسب الموعد وطلبت منها الممرضة الانتظار في قسم السيدات حتى تحضر ملفها، دخلت إلى القسم ولمحت صديقتها القديمة آمنه مستغرقة في قراءة الكتيب الخاص بالأمومة والاهتمام بالطفل، سحبت من يدها الكتيب فنظرت إليها آمنه بدهشة شديدة ثم نهضت لتعانقها، في تلك اللحظة سمعت همسا سرعان ما تحول إلى همس مسموع من إحداهن للأخرى:« موزة طالعي طالعي شو تسوي هاي ويا اربيعتها، ما دري كيف زوجها يطالع ويها مب من حلاتها».

ضحكت الأخرى وقالت: لا وحامل منه بعد!!

صديقتها آمنه سألتها عن العمل والبيت وحالها مع البشاكير، فذكرت لها هروب خادمتها وحيرتها الدائمة في العمل ومشاكل البيت، وبينما يتحدثن جاءت إحداهن ومعها خادمتها تحمل طفلها، وعلقت آمنه: يا عيني على الناس المرتاحة، البشكارة وراهم من مكان لين مكان ومب شالين هم العيال وصدعتهم.

وتلقين الدريول تحت في السيارة يتريا، ونحنا واعليه هلكانين من الدوام وشغل البيت وويع الحمل، في تلك اللحظة نادتها الممرضة لمقابلة الطبيبة، وهنا أدركت حجم ما تعانيه من إجهاد إضافة إلى آلام الحمل وتبعات المنزل التي تنتظرها.

نادية إبراهيم