كانت ليالي البدر في الخريف ولا تزال ملتقى الكثيرين من العاشقين للهدوء والسكينة والهاربين من الصخب والضوضاء، اللذين باتا قرينين لحركة الجرارات الزراعية التي تهدر طوال النهار وتتوقف مع عودة الأصيل.

أدار الأصدقاء الراديو لعلهم يلتقطون عبر الأثير صوت كوكب الشرق، وهي تشدو بإحدى روائعها في الخميس الأول من أكتوبر، بعد انتظار قارب النصف ساعة جاء صوت المذيع ليعلن بدء الحفل الذي ستشدو فيه السيدة أم كلثوم رائعة أحمد ناجي «الأطلال»، لم تخل تلك الجلسات من المولعين بصوت كوكب الشرق، يحفظون أشعار أغانيها، ومؤلفيها والملحنين، وما أن ينتهي الحفل حتى ينبري أحدهم للتعريف بالشاعر والملحن ومناسبة القصيدة.

وفي الأطلال، طلب من أحدهم شرح كل كبيرة وصغيرة يتعلق بالقصيدة الرائعة، وعلى الفور أخذ مكانه وبدأ يذكر للسامعين أن ثلاثة عناصر من القوة اجتمعت في القصيدة ولم تجتمع لغيرها، وذكر أن العنصر الأول يتمثل في براعة الشاعر أحمد ناجي في اختياره الألفاظ والبحر الشعري والأخيلة والصور والمترادفات، وتناول العنصر الثاني من عناصر القوة للقصيدة، اللحن الذي أبدعه رياض السنباطى وارتفع به فبدت النغمات كأنها من على سطح القمر.

وبسرعة انتقل إلى العنصر الثالث من عناصر القوة والمتمثل في السيدة أم كلثوم التي دانت لها مملكة الغناء ما ساعدها في توحيد الوجدان العربي لتعبيرها عن المشاعر العربية الأصيلة كلاما ونغما وأداء، احترمها الملوك والزعماء قبل العامة، لذا تفردت بمكانتها العالية التي لم تصل إليها أية مطربة أخرى في هذا العالم، وأخذ الشيخ احمد يثني على من تعاملت معهم كوكب الشرق من الملحنين كمحمد القصبجي والشيخ زكريا أحمد ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب.

ثم أخذ يردد بصوته:

يا فؤادي لا تسل أين الهوى

كان صرحاً من خيالٍ فهوى

اسقني واشرب على أطلاله

وارو عني طالما الدمع روى

كيف ذاك الحب أمسى خبراً

وحديثاً من أحاديث الجوى

لست أنساك وقد أغريتني

بفمٍ عذب المناداة رقيق

ويدٍ تمتد نحوي كيدٍ

من خلال الموج مدّت لغريق

لك إبطاء المذل المنعم

وتجني القادر المحتكم

وحنيني لك يكوي أضلعي

والثواني جمرات في دمي

هل رأى الحب سكارى مثلنا؟

كم بنينا من خيال حولنا

وبعد أن فرغ من الإلقاء عاد مرة أخرى شارحاً ومفصلاً، ومؤكداً أن الكثير من عيون الشعر العربي لم تجد من يحس بوهجها وتألقها، فينقلها لنا بهذا الإحساس، خاصة تلك القصائد التي عنيت بالأطلال والوقوف عليها وحملت لنا أنبل المشاعر الإنسانية لهؤلاء الشعراء المرهفين التي تحتاج لإعادة قراءة.

قاطعه احد الحضور «يا سيدنا الشيخ إيه يعني الأطلال؟ نظر الحاضرون باندهاش للسائل لكن الشيخ احمد تدارك موقف الرجل وسارع بشرح أسهب فيه واستخدم كل براعته في التدريس ثم توجه له بالسؤال لعلك الآن فهمت يا إبراهيم؟ لم يرد إبراهيم جوابا على الشيخ الذي أدرك انه لم يسمع كلمة واحدة مما قال لأنه غط في نوم عميق، استيقظ إبراهيم بعد أن وكزه احد المجاورين له.

ثم همس في أذن من بجواره أنا أريد أن اسأل الشيخ سؤالا آخر، قال له ما هو؟ قال أنا أريد أن أعرف عمر «الواد كلثوم» كام سنة الآن ومن أبوه؟ لم يستطع الرجل أن يتدارك نفسه من الضحك وراح في هستيريا لم يفق منها إلا على صوت مدو في الساقية التي يجلسون بجوارها، لقد كان الراديو الخاص به ألقاه إبراهيم بها انتقاماً من صاحبه.

محمد صلاح