قبيل يوم العيد تحلقت بنات الحارة الصغيرات، يمسكن أيديهن وهن يرددن بفرح وشقاوة «بكرة العيد ونعيد ونذبح بقرة السيد والسيد ما عنده بقره، نذبح بنته ها الشقرا» على الطرف الآخر من الرصيف وقفت الطفلة مريم، كانت واحدة من بنات الحارة الخجولات، لها جديلتا شعر شقراوان كأنهما حزمتا سنابل قمح لوحتهما الشمس وأخذتا منها لونهما، لها جمال رباني تحسد عليه، سبحان من صور، تقف تعض على أنامل يديها على استحياء.

مريم من أسرة فقيرة بين عشرة أشقاء والدتها تعمل على ماكينة الخياطة وتعد وجبة الغذاء الوحيدة التي لا تتعدى البطاطا المسلوقة وشيئا من الزيت وبعض حبات الزيتون الأخضر ورأسين من البصل اليابس وبضع خرطات من البندورة والخيار، والدها يعمل في أعمال البناء من ساعات الصباح الباكر حتى المساء.

حيث يعود قبيل غروب الشمس يحمل بيديه بعضاً من الأكياس فيها شيء من الخضرة قد جاء بها من سوق الشيخ محيي الدين وبعض أرغفة الخبز وقد دس في جيبه صرة من بعض الحلوى يوزعها على الأولاد، يأتي يمشي الهوينا متثاقلاً متهالكا، فيما تقف مريم بانتظار عودته عند مدخل الحارة.

وما أن تراه قد أطل بقامته وقد علت رأسه كوفية حمراء تقيه حر الشمس، حتى تقفز من مكانها فرحة مسرورة وكأنها طير حمام فارق كشته وحط من السماء، تقفز بخفة ورشاقة إلى حضن والدها فيرفعها عن الأرض إلى جانب أكياس الخضار فيما هي تسحب صرة الحلوى من جيبه فتتساقط حبات البندورة والخيار تتدحرج على الأرض على استحياء كأنها تريد أن تهرب منه.

تنحني مريم على الأرض وتسارع إلى جمعها ووضعها في الكيس فيما يقف هو وضعاً يديه خلف ظهره وقد أعياه ألم الديسك والعمل طيلة النهار، وبحركة سريعة تُقبلُ كف والدها حيث تلامس شفتيها الصغيرتين الكف التي تشققت من التعب واعتلتها عروق زرقاء تنبض بالحياة، تمسك يده تسير معه تتقافز فرحة، يسألها والدها لماذا لا تشاركين صديقاتك في اللعب؟

فتزم شفتيها الصغيرتين وكأنهما جبتا كرز وترد بغضب، انا لا أحب اللعب معهن لأنهن سوف يذبحن بنت السيد الشقراء لأنه ليس عنده بقرة يذبحها في يوم العيد، يضحك الأب ويضمها إلى صدره حيث تشعر بالأمان والحنان ويقول لها: لا تخافي إنها مجرد أغنية، لكن مريم بقيت على قناعتها وخوفها من الذبح بسبب شعرها الأشقر وأصبح لديها عقدة تلازمها من شعرها الأشقر كلما اقترب يوم العيد.

وفي ذات يوم طلبت منها المعلمة أن تشرح لها ما معنى قول الشاعر؟

عيدٌ بأي حال عدت يا عيد.. لأمر مضى أم في الأمر تجديد

وقفت مريم تنظر ذات اليمين وذات الشمال تبحث عن الإجابة، تتفحص وجوه صديقاتها اللواتي يرددن «بكرة العيد ونعيد ونذبح بقرة السيد»، تداهمها صورة والدها الذي أعياه تعب السنين وليس عنده بقرة يفتديها بها يوم العيد وأمها المنهمكة في عمل البيت، فجأة تمسك مريم بخصلتي شعرها الأشقر وتجهش بالبكاء، ذهبت إلى والدها تروي له ما حدث هذا الصباح فقال لها بعد أن أجلسها في حضنه:

يا مريومة..العيد فرح وسرور وحبور يا صغيرتي لا يفرق بين غني وفقير،الفرح يدخل قلوب المؤمنين الأتقياء، الذين إذا ذكروا الله وجلت قلوبهم، الذين يقيمون الصلاة ويصومون رمضان ويأتون الزكاة، وعليك يا مريومة أن تصومي رمضان وأن تتحجبي وتخفي شعرك الأشقر.

قفزت مريم من حضن والدها توجهت إلى صنبور الماء شمرت عن ساعديها الصغيرين وتوضأت، لبست ملابس الصلاة وقفت خلف السجادة ووضعت يديها الصغيرتين فوق بعضهما وضمتهما إلى صدرها وقرأت «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن»، اتبعتها بـ «ألم نشرح لك صدرك» صلت ركعتين وبابتسامة رقيقة طلبت من أمها أن توقظها على السحور، صامت مريم يومها الأول فرحة سعيدة وسط زميلاتها.

وباتت تنتظر بفارغ الصبر قدوم يوم العيد، نسيت بقرة السيد ووقفت وسط زميلاتها تغني.. «الليلة عيد وعلى الدنيا سعيد، ياليلة العيد أنيستينا وجددتي الأمل فينا» مشطت خصلات شعرها الشقراء وربطتهما بشريطة حمراء وفي يدها تقبض على بعض النقود التي أعطاها لها والدها عيديه صباح العيد.

داوود محمد