ملتحفةً «شيلة» أمها البيضاء.. المهترئة، التي تتجاوزها طولاً، والتي أحال المشي على ناصية الشارع أطرافها رمادية، تماماً كقدميها.. العاريتين أمام دخان السيارات وأتربة «السكيك» غير المرصوفة.. زهرة التي تجاوز عمرها زهرة الثمانية أعوام بقليل - حنطية البشرة.. ذات الخصلات الدهنية المتطاولة على عينيها.. والشعر الأسود الفاحم «المربوط» على استحياء بخرقة بالية هي بطلة القصة التي تتكرر في أزمنة وأمكنة وظروف مختلفة.. بينما تظل الطفولة الحاسة المشتركة..
قد تبدو زهرة للوهلة الأولى أصغر من عمرها بكثير.. ضآلة الجسد.. وقصر الأطراف.. توحي بطفولة مبكرة، ولكن نظرة متفحصة إلى آثار الخدوش التي أربكت لون البشرة وأظهرته وردياً مرة.. وحنطياً مرة أخرى، أجعد وأملس من أثر الحروق.. والأسنان اللبنية التي فقدت زهرة معظمها.. في انتظار بدء موسم خصب من النمو.. جميعها تعلن العصيان على سنين عجاف.. لم تجد سوى المزيد من الحرمان. تضع زهرة أول حروف يومها على ناصية الطريق، حيث تبدأ رحلة التجوال على الدكاكين وبيوت أهل الحي..
بينما تشكل المدرسة صباحات أقرانها من الأطفال.. ممن جاد عليهم الزمن بظروف ألطف من ظرفها الذي ألقى بها إلى قاع الطريق، حيث الطفولة منتهكة، والبراءة تداس بعجلات السيارات. وكما أراد لها ذووها - تعكف زهرة صباحاً على جمع «كراتين» الماء والحلوى والشيبس الفارغة، التي استغنى عنها «راعي الدكان»، وتكتفي بتجميعها وبيعها خاليةَ لإحدى شركات إعادة التدوير.. تشم هي رائحتها خالية، بينما يستلذ الأطفال عادةً بطعمها..
مخلفين الأغلفة وراءهم فارغة من الطعم.. كطفولة زهرة تماماً.. بعد جولة بيع الكراتين، التي تقضم نصف نهار زهرة، تعود إلى المنزل الذي سكن تحت صفائح معدنية، ستأتي البلدية يوماً عليها بهدف إزالة المباني غير الحضارية، ولكن حينها تكون زهرة غادرت.. عصراً.. تحمل قفصها الخشبي، وتستهل جولة بيع فطائر السمبوسة التي تحضرها أمها على صغار الفريج الذين بدأوا شوط اللعب.. بفرح لا يشوبه سوى أزوف المساء.. بينما زهرة تلعب..
ولكن دوراً من نوع آخر، تلعب دور البائعة.. صباحاً ومساءً.. بهدف التكسب ومساعدةً ذويها على قضاء حاجيات المنزل.. والعيش بأقل عددٍ من الخسائر.. بينما إخوتها الصغار.. يرافقونها أحياناً في محاولة لتعلم أصول المهنة.. استعداداً لتوريثها، لتغادر هي إلى مراحل أصعب من دوامة العمل الشاق.
الليالي عندها متساوية.. بالرغم من أنها إيذان بالراحة والانزواء إلى السكينة، إلا أن زهرة لا تنعم بالكثير منها، فهي تندس في فراش صغير يضم أربعة إخوة يتقاسمون.. المخدة.. واللحاف.. وأهم من ذلك الهواء! عادي.. المهم أن يأخذ جسدها قسطاً من النوم، حتى تستفيق ساعتها البيولوجية على العمل مجدداً.. يقترب رمضان من كل عام..
ويلوح طيف زهرة في الفريج باعثاً إحساس الطفولة المفقودة.. والزهرة التي انتزع منها عطرها في أوان الربيع.. رمضان بالنسبة إلى زهرة كان موسم خيرٍ.. تحرص فيه على مضاعفة الكسب، ومحاولة إنقاذ العائلة من صرف لا طائل منه.. حافيةً كعادتها.. تنتقل من بيوت الجيران محملةً بالأواني مثقلة بما تحويها، تبيع السمبوسة وتأخذ رزقها اليومي من الهريس واللقيمات.
اليوم الزهرة جفت.. ويبس عطرها.. ودينامو الفريج توقف عن الحركة، فزهرة التي احترفت عبور الطريق.. ومشطت أرصفة وسكك الفريج أكثر من أي شخص سكنه، خانها البصر، وتخلى عنها مرات عدة.. فالحواس تتأثر بالإحساس، رغبتها الجارفة في الحصول على طبق «هريس» يسد رمق إخوتها في أحد المساءات الرمضانية، وحس الأم، والأخت والعائلة.. أفقدها الإحساس بالصوت وأعمى بصرها.. وساقها تحت عجلات سيارة «دريول» الجيران..
الذي حذرها مرات عدة.. من عبور الشارع بثقة الكبار.. فماتت زهرة وقتلت الطفولة على الرصيف، حيث ولدت تماماً.
أمل الفلاسي
