فرح وغبطة وسرور انتابني عند الصباح الأول من أيام رمضان، أدرت مذياع السيارة وإذ بصوت فيروز يصدح بأغنيتها «أنا عندي حنين» فجأة عادت بي الذكرى إلى الأيام الخوالي من ذكريات رمضان، لليوم الأول الذي صمت فيه مع أصحابي وخلاني.
كنا نقف في باحة المدرسة منذ الصباح نتباهى بصيامنا، وحتى نؤكد للآخرين أننا صائمون نخرج لساننا فإن كان لونه أبيض فهذا يعني أنك صائم، ومن يكن لسانه أحمر يعني أنه مفطر، فنتحلق حوله نردد «يا مفطر رمضان، يا مفطر يا بم، يا بزاق الدم، دملك دم الخنازير، علقوك بالجنازير...».
وهكذا حتى يولي المفطر هرباً من تعليقات الأطفال الصائمين وسط ضحكات شقاوة الطفولة السعيدة رغم قساوة الحياة، عدت بالذاكرة إلى حارتي في دمشق على سفوح جبل قاسيون حيث حي ركن الدين، حيث كانت نافذة غرفتنا الوحيدة تشرف على دمشق كلها قبل أن تتطاول من حولها الأبنية العالية الحديثة وتحجب المشهد الصباحي الرائع.
حيث كانت دمشق تعانق السحب و تتنفس بفوطتيها الشرقية والغربية، وتلك هي شرايينها السبعة افرع نهر بردى مهجة الظمآن تروى الشجر والبشر قبل أن تجف وباتت بحاجة إلى عملية قسطرة، تلك هي أمامي مآذنه العروس تتوسط الجامع الأموي وبالقرب منها يرقد بسلام وآمان فاتح القدس صلاح الدين، وتلك هي ساحة الأمويين يتوسطها السيف الدمشقي قبل أن يرصعه نزار قباني بأحلى الكلمات.
وعلى مقربة مني مقام محي الدين بن العربي وهو اسم نفس المدرسة التي درست بها المرحلة الابتدائية في بيت دمشقي قديم تظلله أشجار الكباد والليمون والياسمين فيما مدير المدرسة بقامته القصيرة يحمل عصاه على البوابة ينتظر المتأخرين عن الدوام، أجول بذاكرتي على ساعات ما قبل الإفطار، فتلك هي الأمهات والصبايا يسابقن الزمن لإنهاء أطباق الفتوش والتبولة والبابا غنوج وجبة الكبة لبنية تغلي وتفور، وقد اعتلت الطناجر بابور الكاز أبو راس «بريموس » قبل أن ينتشر البتوغاز.
الأطفال يتسابقون يحملون أباريق عرق السوس وأرغفة خبز التنور وأقراص كعك «يلي راماك الهوى ياناعم »، نتحلق حول المائدة، نعد الدقائق والثواني الأخيرة، فيما الراديو يبث حديث الإفطار يعده المرحوم الإعلامي مروان شيخو بصوته الأجش والذي ارتبط اسمه بذاكرة الجيل بأيام رمضان وصلاة الجمعة والعيدين، آيات من الذكر الحكيم بصوت عبد الباسط عبد الصمد وخليل الحصري والمنشاوي، ثم موسيقى غريبة عجيبة تتلاعب بأعصاب الصائمين سيما الأطفال منهم.
فكلما انتهى المقطع نتسابق إلى مد أيادينا للطعام فتعود الموسيقى من جديد مما يعني انه لم يحن بعد موعد الإفطار، فجأة يأتي صوت المدفع فيعلن المذيع أنه حان الآن موعد الإفطار حسب التوقيت المحلي، أسمع دعاء الوالد وقد حمل بيده كأس الماء وبعض حبات من التمر وإصراره أن نردد معه «الحمد لله الذي أعاننا فصمنا ورزقنا فأفطرنا».
لم تكن في تلك الأيام مسلسلات رمضانية ولا محطات فضائية، كانت حلقات الذكر في المساجد بعد التراويح تتخللها مدائح نبوية نشارك بها بكل فرح وسرور إلى أن يأتي وقت السحور، في تلك الأيام من الشتاء القارس.
وفيما أنا غارق في تأملاتي الرمضانية وشريط الذكريات والحنين تستمر فيروز تردد «أنا عندي حنين مابعرف لمين، ليلية يخطفني من بين السهرانين، عديت الأسامي ومحيت الأسامي، وبالدمع يغرقني بأسامي المنسيين، أنا عندي حنين» طفرت من عيني دمعة، وما أن انتهت الأغنية حتى توجهتً إلى مكتب شركة الطيران وحجزت بطاقة سفر إلى الوطن كي أقضي فيه بعضاً من أيام شهر رمضان بين الأهل والأحبة والخلان، بعدما حرمتنا الغربة منه 20 عاماً.
داوود محمد
