اشتبكت معه في أول الطريق فأمسك بخناقي وأحاط بي، كان أطول مني وأكبر كثيرا يمتد على مد النظر. أحاول الخلاص منه فأقوم بحركة عسى أن تأخذني يمينا أو شمالا لكني أفشل فأنا مربوطة بحزام، محشورة في الزاوية اليسرى للصندوق الحديدي المزجج، بينما هو يمتد كغول محزز، ويحكم قبضته على الجميع، الوقت يمر سريعا والحركة بطيئة، استثمرت التوقف ككثيرين مثلي في الاتصال بالوالدة وبشقيقي وبالبنت التي تركتها مع الكتب والمذاكرة، انتهى جدول الواجبات الهاتفية وماذا بعد، فلأحاول الصبر.
وأقتنص فرصة أجول بنظري أملاً بانفراج، فتنقل المرآة العاكسة لما ورائي أحدهم يتثاءب برتابة؛ مستسلما لمقود السيارة في يده ويضع رأسه على حافة المقود، وكأنه يكمل غفوة قطعها عليه المنبه قبل ساعة في السرير، ماذا يفعل الآخرون؟
كل ما تسمح به الرؤية.. هاهنا آخر يبدو أقل نزقا أو لعله يتحداه، وقد أخرج الصحيفة أخذ يقرأها بلا مبالاة، لا يبدو عليه القلق، وإنما بدا مستغرقا في قراءة الأخبار ومتفاعلا معها أكثر من تفاعله مع الموقف المتوقف، في زاوية من أقصى اليسار نقلت المرآة صورة لفتاة ضئيلة بيضاء البشرة بشدة يعكسها قميصها الأسود وكتفيها العاريتين، وقد وضعت بنفاد صبر رسغ إحدى يديها على المقود بينما تشاغب الأخرى خصلات شعرها القصير المنكوش.
وبدت كمن ستنتف ما تبقى من شعر على رأسها، أنهت قرارها بعد دقائق بأن عركت ما تبقى من نعاس في عينيها وأشعلت سيجارة، امتلأ صندوقها الأحمر بالدخان فحجب زندها الأبيض عن العيون وأغرقها أكثر في الزحام؛ الذي ما زال محيطا بي بل بنا؛ عندها علا صوت احتكاك عجلات سيارة أحدهم بالإسفلت وقد زج بها بلا مبالاة وبعنترية بين السيارات وقد (شحف) السيارتين عن يمينه وشماله من دون توقف؛ لكنه خلص نفسه من سلسلة الغول الخلفية، واندس في السلسلة من الأمام، فهل اخترقه وهل اجتازه؟
إذن ياله من محظوظ، بينما صاحب الجريدة لم ينتبه لفقد جانب من سيارته، فلم يحرك ساكنا ثم فجأة نظر حوله ثم طوى الجريدة وضعها بجانبه على المقعد الثاني ومن ثم أوقف محرك سيارته تماما وترجل، وقف على الرصيف كمن ليس له علاقة، وأخذ يتفرج على المشهد.
ويحرك جسده المتصلب حين اكتشف أنه كان ضحية حادث عندها شاركه المتضرر الآخر خرج الاثنان عن طورهما وأخذا يبحثان عن المتسبب المجهول، فتعمق الزحام أكثر، أما أنا فما زلت أرصده متجلدة بالصبر وكثير من الاستغفار والاستماع إلى شكاوى الناس المتكاثفة عبر (نور دبي) والشكوى الأولى من هذا الغول الثقيل، ولا حل سوى ما ذكره أحد المسؤولين.. عليكم بالخروج المبكر والصبر! وماذا بعد، الخط الأصفر؟!
وأنا مهزومة عند الخط الأبيض المتقطع حتى النهاية وهاهو الخط المتصل ثم الخط الأصفر وما أدراك ما الخط الأصفر، هناك من يعرف حسنته ويفك به خناقه، إنهم الخارجون على القانون، وأكلة حقوق الآخرين، يتجاوزونه ويتجاوزونهم فيستشري الغول أكثر وتستمر العطلة أكثر، لا أحد يمر إلا من يخترق الخط الأصفر، ورجل المرور مشغول بتحرير مخالفة اجتياز الخط الأصفر، بينما يخرقه آخرون مستغلين انشغاله بالتدوين.
وماذا بعد.. ما زلنا في عنق الزجاجة والغول يستطيل أكثر وأكثر، لايبالي بالزمن ولا بساعات العمل ولا بالجزاءات، ولا بذلك الذي أخذ يصرخ ثم يصرخ من أحد الصناديق المتوقفة في هذه السلسلة تحت الشمس؛ إنها «نوبة كلى الحقونا» هكذا صاح رفيقه وهو يحاول إسعافه؛ غاب المصاب عن الوعي، وهستر الآخر، والزحام لا ينفرج قيد أنملة، خطر لي هاجس ماذا لو أدرك المخاض امرأة فهل يمهلها الزحام للوصول للمشفى؟
أم يتولاها بزنقته ويعجل بوضعها وبما لا تحمد عقباه؟! مضت ساعتان والمرآة شاشة المشاهدة الأمينة، لكن لا حول لها ولا قوة سوى الاحتراق تحت صيهد الشمس والاختناق بعوادم السيارات، والتأخر على العمل، والبقاء في اشتباك معه مرددة «أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبدا!» في حين يرد صوت من الداخل إنه الموت البطيء.
فاطمة الهديدي
