في إطار فعاليات «رمضان عجمان .. تقوى وإيمان» نظمت دائرة الثقافة والإعلام بعجمان بالتعاون مع المجلس التنفيذي بالإمارة محاضرة للدكتور عصام البشير أمين عام مركز الوسطية العالمية بالكويت-وزير الأوقاف السوداني السابق وذلك بمقر جمعية أم المؤمنين بعجمان.

وتناول البشير في محاضرته التي جاءت بعنوان «مفهوم الوسطية الإسلامية بين الأصل والعصر» علاقة المسلم بالكون فقال «إن صلة المسلم بهذا الكون أولا هي صلة معرفية، فالكون أداة معرفة (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)، ثانيا علاقتنا بالكون علاقة تسخير، فهذا الكون مسخر لنا (وسخرنا لكم ما في السموات والأرض جميعا).

وثالثا هي علاقة روحية وعلاقة محبة لأن الكون يسبح بالله، أي عليك أن تعيش حياة صداقة وأخوة مع هذا الكون الذي يسبح بالله، ورابعا صلة جمالية فالله حدثنا عن جمال السماء (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) وجمال الأرض (وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) وجمال الحيوان (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) وجمال الإنسان (فصوره وأحسن صوره)».

وأضاف أنه «نتيجة للجهل بعلوم الكون والحياة تأخر المسلمون في فرائض الكفاية المتعلقة بإزالة حالة التخلف العلمي والفكري والتكنولوجي والصناعي والتنموي في الأمة» مجددا التوكيد على أن الحل يكمن في أن نصل علوم الدين بعلوم الدنيا.

وقال إن الإسلام أمرنا «بنهل علوم الدنيا كما أمرنا بمعرفة علوم الدين»، مؤكدا أن ذلك هو أول ضابط لمعالم الوسطية التي ينشدها القرآن وأساس للحضارة الإسلامية التي قامت عليها حضارة الغرب.

وأوضح «لا بد أن نفهم مدلول الوسطية من خلال القرآن، فالوسطية في لغة العرب تعني جملة من المعاني وهي المنزلة والشرف الرفيع هي العدل وهي الصراط المستقيم وهي التوازن المحمود في الحقوق الذي قامت التكاليف الربانية للإنسان على أساسه حق الله وحق النفس وحق الغير».

وأضاف أن «الوسطية معنى أصيل في كتاب الله الذي جعل مناط خيرية الأمة بأن تكون أمة وسطا (لتكونوا شهداء على الناس)»، مشيرا إلى أن الحاجة إلى الوسطية في عصرنا الحالي قائمة بسبب التطرف والغلو.

وتابع: «نحن أمام تحد فكري يتطلب منا أن نعمل على إرساء الوسطية دون تفريط، تحد للذين يريدون تفريغ الدين من مضمونه وللذين يتمسكون بظواهر النصوص ويقطعون الفتوى عن أصلها ويختصرون النصوص دون إكمالها، ويفسرون الآيات دون ربطها بالسياق الذي نزلت فيه أو بأسباب النزول».

وأوضح أن المسلمين الأوائل لم يفصلوا بين علوم الدين وعلوم الدنيا بل ساروا على درب دعوة الإسلام بتدبر آيات القرآن وآيات الكون المتمثلة في العلم ومعجزات الله فيه. مشيرا إلى أن على المسلم قوي الإيمان أن يرتب أولوياته «فهو كما يصلي ويتعبد كثيرا في المسجد يتعين عليه أن يتعمق في العلوم الدنيوية ... وعليه أن يعيش لعصره وبيئته ومجتمعه» وألا ينغلق فكره على ما انتهى إليه بعض الأسلاف ويوقف إعمال عقله على ذلك.

عبقرية أسلافنا

وانتقد البشير «من أرادوا أن يعطلوا العقل عن أن يكون أداة لفهم النص، والماضويون الذين يريدوننا أن نعيش في التاريخ ويمنحون التراث عصمة النصوص وقداستها»، مشيرا إلى أن هذا التوجه يقابله فريق آخر يريد أن يهيل التراب على تاريخ الأمة وتراثها.

وأكد أن «التاريخ والتراث هو أفضل ما أنجزته عبقرية أسلافنا، لكن رحمة الله لا تقف عند هذه الحدود، فيقول (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين). ونقول (في الإمكان أبدع مما كان)». وأوضح أن «علينا أن نأخذ من الماضي العبرة لنعايش به الحاضر ونستشرف به المستقبل، علينا أن نفكر بعقولنا لا بعقول أسلافنا، وعلينا أن نجتهد لزماننا وبيئتنا ومشكلات عصرنا ملتزمين بإطار المنهج العام. فالزمان غير الزمان والمشكلات غير المشكلات».

وقال «إن أخطر شيء أن نستدعي معارك التاريخ التي عفا عليها الزمان ونجعلها سببا لتفريق كلمة الأمة ولا نستطيع أن نواجه مشكلات العصر». وأضاف أن خلافات المذاهب سواء فقهية أو عقائدية انقضت ولم نكن شهودا فيها وأن الله تعالى لن يسأل عنها. لذا فعلينا أن نعيش لبيئتنا ومجتمعنا، وأردف «يتعين أن نتعاون في الأصول، ولا ينبغي أن نجعل الاختلاف في الفروع سببا في انقسامنا».

قال إن الأصل في الحياة هو الاستمتاع بها، وأوضح أنه «إذا استمتع الإنسان بالطيبات فأخذها بحلال وأنفقها في حق يكون في ذلك تحقيق لمعنى الاستخلاف العمراني، فالحياة تعني الإعمار وليس الهدم، وهذا ضابط آخر مهم يعيد تشكيل العقل المسلم والأولويات بالنسبة له ترتيبا صحيحا». وتابع أن «التدين الصحيح تلازم بين حركة الباطن من القلب وحركة الجوارح الظاهرة».

وتحدث البشير في محاضرته عن ترتيب الأولويات في قضايا التدين فقال «إن الدين يقوم على ترتيب الأولويات»، مشيرا إلى قول الله تعالى في حديث قدسي (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه). وأكد أن «الفرائض قبل النوافل» مشيرا إلى أن الكثيرين من الناس يعطون جهدا كبيرا للفروع والنوافل والجزئيات. ويكون هناك ما هو أهم من ذلك».

سيرة ذاتية

الدكتور البشير وزير الإرشاد والأوقاف سابقا بجمهورية السودان. عمل أستاذا بالعديد من الجامعات وشارك في العديد من المؤتمرات العربية والإسلامية العالمية. وهو عضو بمجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة وعضو بالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بأيرلندا وعضو بالمجلس الأعلى لمركز دراسات مقاصد الشريعة بإنجلترا.

عجمان ـ عصام الدين عوض