دون سابق إنذار ضغط بقدميه على مكابح السيارة التي أطلقت الكثير من العويل وهي تتوقف دفعة واحدة أمام بوابة البناء الكبير المائل لونه للاصفرار، ولم يلتفت «ماجد» .
وهو ينزل من سيارته الى أصوات الاحتجاج التي صدرت عن أصحاب السيارة التي كانت تسير خلفه وكادت أن تصطدم بسيارته، وتابع سيره كالمسحور نحو البوابة الحديدية الكبيرة المغلقة وأمسك بقضبانها التي أتاحت له رؤية ما يدور خلفها من صخب كان يحدثه الأولاد الذين يرتدون زياً موحدا، كانوا يلعبون الكرة، يركضون خلف بعضهم، يتعاركون، وبعضهم كان ينتحي جانباً لالتهام بعض الشطائر وقطع الحلويات تمهيداً لاستكمال الدروس بعد فترة الاستراحة..
والتفت «ماجد» على نحو مفاجئ إلى الركن الأيسر للبوابة ليطارد بعينيه ظلال طفل شاحب الوجه كان يضع على «البسطة» أمامه وعاءً متوسط الحجم يغص بأنواع مختلفة من الحلويات الشهية يدل على ذلك التهافت الكبير من قبل الطلاب على شرائها بحيث كانت تنفد جميعها خلال دقائق استراحتهم، لينهض الطفل شاحب الوجه عقب ذلك ويلملم متاعه دون أن يمنع أصابعه من التقاط بعض فتات الحلويات المتبقية في الوعاء، ماجد لم يفته مطلقاً متابعة نظرات الطفل نفسه التي كانت تشارك التلاميذ بالتهام الحلويات والتي كان يبيعها دون أن يتمكن من تذوق أي منها لأن ثمنها كان سيتم خصمه من أجرته لقاء عملية البيع، خاصة وأن التاجر صاحبها كان مثله الأعلى «شايلوك» في تاجر البندقية لشكسبير.
حيث لم يكن ممكناً أن يفوته عدد ما يضعه في وعاء الطفل الصغير قبل انطلاقته في رحلته اليومية نحو الركن الأيسر لبوابة المدرسة، الحلم الصغير بالتهام بعض قطع هذه الحلويات التي يحملها بقي حلماً .
واكتفى الطفل الصغير الذي كان يكبر بمشاركة أترابه من التلاميذ متعة التلذذ بالتهامها بنظرات لم تكن تنزاح عن احدهم إلى أن يلقي بالمنديل الورقي الذي كان يحتضنها في سلة المهملات، الطفل الصغير كان أيضاً يغمض عينيه قليلاً بعد أن كانت تتابع آخر تلميذ غاب خلف البوابة الحديدية للمدرسة، يجلس معهم في الفصل، يقوم بحل المسائل الحسابية، يجيب على أسئلة معلم التاريخ حول ظروف مولد الرجال العظام الذي أسهموا بصنع أحداث التاريخ المهمة، يتلقى بعض التأنيب من معلم آخر بسبب عدم كي ملابسه المدرسية و.. ويفتح عينيه ثم يحمل وعاءه الفارغ ويتجه لتسليمه إلى التاجر مع حصيلة اليوم..
وبعد أن يقبض تلك النقود القليلة منه ينطلق مسرعاً إلى المنزل ليضعها بين يدي والدته وعلى عجل يرتدي زيه المدرسي ويعاود الانطلاق مجدداً نحو مدرسته التي تبعد كثيراً عن المنزل ليتابع دراسته المسائية.
الخروج من عنق الزجاجة كان الحافز الأكبر لهذا الطفل الذي كبر كثيراً فيما بقي حلمه بتذوق قطعة من الحلويات التي استمر بحملها لسنوات طويلة.. الحلم بقي صغيراً رغم أنه كبر معه، أسوة بحلم جلب الراحة لتلك السيدة ذات اليدين المعروقتين والذي بدأ كبيراً واستمر كذلك، وبقي حلماً عزيزاً عندما غادرت تلك السيدة دون ضجيج في المشاهد الأخيرة لاكتماله.
مخترقاً ظلالاً قديمة تقدم «ماجد» بتؤدة شديدة نحو الصبي الصغير الذي كان يحتل ببسطته ووعائه المتوسط الحجم المليء بالحلويات الركن الأيسر لبوابة المدرسة.. الشحوب والإنهاك والعينين الحالمتين ترتسمان على ملامح صبي آخر يواصل مسيرة ذاك الطفل الصغير الذي كان هنا ذات يوم، يتناول ماجد قطعة من الحلويات بعد أن وضع مبلغاً نقدياً اكبر من ثمنها في يد الصبي، ولكنه أعاد قطعة الحلويات مجدداً إلى وعاء الصبي بعد أن استعاد على نحو سريع حقيقة مرض السكري الذي ينهش جسده .. ماجد استدار وسار عائداً نحو سيارته وهو يهمس لنفسه: يبدو أن قدري أن يظل الحلم حلماً!!
خالد اللوباني
