عربات هنا وهناك، رجال ونساء يتهافتون على كل شيء حتى لتظن أن حربا على وشك الاندلاع وأن الأسواق ستقفل غدا وسوف لن يجد الناس ما يأكلون، فيقتلهم الجوع إن لم يلحقوا أنفسهم ويشتروا كل شيء.
كان حامد يتفرج مندهشا وهو رجل يكره التسوق كحال معظم الرجال، لكن المير الرمضاني واجب أسري كما شرحت له زوجته، وإلا كيف يمكن أن تمر أيام الشهر الفضيل ولياليه بدونه؟ وكيف إذا ما أتانا ضيف ساعة الإفطار؟ هل نقدم له صنفاً واحداً أو صنفين من الطعام فقط؟ ماذا سيقول عنا الناس؟
استسلم حامد لإلحاح زوجته وذهب إلى مركز التسوق خاصة أنها وعدته أنها ستكون الحلقة الأخيرة في مسلسل التسوق لرمضان، وهو يعرف أن حلقاته كانت طويلة وكأنها مسلسل مدبلج، وفي كل مرة تتضاعف مبالغ الشراء فالقليل يصبح كثيرا، والكماليات تغدو أساسيات لا غنى عنها.
يقف الناس طوابير ممتدة أمام صندوق الدفع وهم يتذمرون من ارتفاع الأسعار، بينما تغص العربات بما حملت حتى لم يجد بعض المتسوقين بداً من الاستعانة بعربة أخرى لتساعد أختها.
حامد أتى للفرجة فقط، فقد مل النقاشات العقيمة وقرر أن يترك لزوجته عنان التسوق والصرف، لذا عليه أن ينسى كل شيء ويتفرج، بدأ يتمشى على مهل يراقب سيدات سمينات يقفن عند طعام الحمية، ويقرأن ما كتب على العلب بصبر وتمعن شديد، كأنهن لا يتناولن الطعام الا بعد عد سعراته ونسبة دهونه.
تتناهى إلى سمعه شجارات هامسة بين رجل وزوجته في السوق، فالرجل يقول لها: ليس لدي مبلغ يكفي ما تريدين شراءه.. والزوجة تجيب: أنت تعمدت أن تحضر معك مبلغا قليلا لتجبرني على عدم التسوق.
في الجانب الآخر كانت إحداهن تسأل صاحبتها: هل تعرفين، لقد فصّلت أربع عباءات كشخة لرمضان وأوصيت على اثنتين للعيد؟
وتجيب صاحبتها للأسف لم أفصل سوى أربع، اثنتين لرمضان واثنتين للعيد، فمصاريف السفر أخذت مني الكثير، لكني فصلت عباءات راقية وموقعة من أشهر المحلات.
انتبه حامد إلى نفسه يتابع حديث المرأتين، فابتعد إلى قسم آخر لئلا يتهم بمتابعة السيدات أو المعاكسة بعد هذا العمر الطويل، وقد بدأ الشيب يعلن زحفه على رأسه.
ذهب ليبحث عن زوجته ففوجئ بها تضع مجموعة من الصناديق لقدور وأوانٍ وملاعق وأكواب لا يدري ما الحاجة إليها، لكن المرأة استبقت تساؤلاته بقولها: التنزيلات رائعة هنا ومائدة الإفطار تحتاج أواني جديدة خاصة إذا كان عندنا ضيوف، وأنا أعرف أنك ترغب أن يكون كل شيء مثاليا مع وجود الضيوف لذا اخترت تلك الأشياء الجميلة، فما رأيك؟
وهل تركت لي رأياً، ليس لي سوى أن أقول لا حول ولا قوة إلا بالله.
قرر أن يخرج من المركز للتدخين فلا جدوى من الابتعاد عن السجائر وهذه المرأة تحرق الأخضر واليابس بهوسها بالتسوق.
جلس على مقعد عند باب المركز وأشعل سيجارته ففوجئ بفتى لم يتجاوز الخامسة عشرة يطلب منه نارا فسأله: ألست صغيراً على التدخين؟
فأجاب الفتى بوقاحة واستخفاف: وهل أنت أبي لتحاسبني، لا أريد نارك فأنت تدخن وتلوم الآخرين على التدخين.
حاول أن يحاور الفتى بهدوء: ألا تعرف أن التدخين مضر بالصحة وسوف يمنعك من ممارسة الرياضة ويجعلك أضعف من أقرانك. أنت تضحكني يا رجل، انظر إلى نفسك وأنت تمسك سيجارتك وتقدم محاضرة عن مضار التدخين، يمكنني أن أقبل كلامك في حالة واحدة فقط.
ـ وما هي؟
ـ أن تقدم نفسك نموذجاً لمضار التدخين، فوجهك المتعب والضعف البادي عليك يمكن أن يصلح إعلاناً عن خطر التدخين.
غادر الفتى ساخرا، بينما ابتلع الرجل تلك الإهانة وكان يتمنى أن يقول: ليس التدخين ما أضعفني، إنه غرام زوجتي بالتسوق.
دلال جويد
