توافدت الفتيات تتقدمهن الفرحة الغامرة على بيت جارهن سعيد والد شريفة ذات العشرين ربيعا، يحملن طاسات الحناء المعجونة، لصديقة الطفولة والعمر التي تمت خطبتها بالأمس. خضبت الفتيات كفي شريفة وقدميها بالزينة المباركة ابتهاجا بالخبر السعيد، وانهالت عليها التهاني والتبريكات، التي لم تخل من الغيرة اللطيفة إذ تقدم لها خيرة شباب المنطقة، متجاوزا العديد من حسناوات الحي.
وحدها أم شريفة التي لم تتمكن من الشعور بالسعادة الكاملة لهذه المناسبة لكونها ستفترق عن وحيدتها؛ لكنها سنة الحياة ولابد من انتهاء مدة استضافة الفتاة في بيت والدها يوما كالعادة. أما شريفة التي غبطتها صويحباتها المقربات فقد تجللت بالحياء والخفر ممتنعة عن ذكر تفاصيل الموضوع قبل أوانه.
تعالت الزغاريد والضحكات طوال نهار ومساء اليوم التالي، في منزل والد شريفة الذي تكلل بالإضاءة الملونة، في إشارة تؤكد إعلان الخبر وإشاعته في الحي كله، وتوثيق الفرح الذي غاب لسنوات عن الأسرة. تركت الفتيات شريفة مع وعد بالعودة المبكرة للمساعدة في إنجاز مستلزمات اليوم الكبير للجميلة، والرفيقة التي لم تكدر يوما خاطر إحداهن ولو من دون قصد، إنها الرزينة الحكيمة ذات النجابة والذوق، وهي الغالية عند الجميع كمثل غلائها عند والديها.
ذهبت الفتيات تاركات شريفة مع أحلامها الزاهية تطرزها على أصابعها العشرة المضمخة بالزينة العطرة كما كانت تطرز الشراشف القطنية وأثوابها الحرير، وشيلها الزاهية بمهارة يديها.
جال في بال الأم خاطر قلق أسرّت به إلى زوجها الذي طمأنها بحنان العشير وحكمة العارف الخبير «إنها مشاعر الشوق القادم يا أم شريفة، حين تذهب ابنتنا الوحيدة إلى بيت زوجها» ثم دعا لها بالسعادة وكذلك فعلت الأم التي اغرورقت عيناها بالدمع.. «لا أعرف إن كانت هذه دموع الفرح أم الخوف يا أبا شريفة».. «ولم الخوف الآن أليس هذا هو حلم كل أم» «بلى.. ولكن لا تزال ذاكرتي تشقيني بتعابير وجه ناجي وأهله حين قالت ابنتنا قبل عام.. لا» «انه النصيب يا أم شريفة».
مرت الأيام التالية والحركة لا تهدأ في بيت سعيد منذ الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، وبدا كأنه خلية نحل منسجمة في تفاعل وود، والدبيب في سباق مع الوقت لكن لا شيء يعيق طريق البهجة، أما شريفة فقد كانت تتألق يوما عن يوم، كانت ملامحها تزداد إشراقا كلما تكاثف حضور صديقاتها المحبوبات وعملهن في تجهيز احتياجاتها ومتطلبات العرس.
مضى الأسبوع الأول، ورفعت الأنوار الملونة عن سقف البيت والسور، وتم انجاز أكثر احتياجات العروس لليوم المرتقب القريب. عندما استيقظت الوالدة على نعيق طائر غريب نهضت تبسمل وتحوقل استعاذت من الشيطان الرجيم ثلاثا وتفلت عن شمالها ثم نامت على جانبها الأيمن، لكن هاجس الشؤم طالما لازم استعدادات الفرح.
في الليلة التالية استيقظت على النعيق نفسه فتملكها القلق المتشائم، أخبرت زوجها سعيد بما سمعت لكنه كان في نوم عميق. لم تمض الليلة الثالثة إلا وقد استيقظت أم شريفة واقفة على قدميها تتبع النعيق، قالت رأيت ما يشبه الطائر، كان عملاقا ذا لون اسود، يربض على هوائي التلفزيون وبمجرد أن رأيته حلق طائرا وهو ينعق مبتعدا في الظلام.
أنشب الخوف مخالبه في قلبها وما غفلت لها عين لليال مقبلة، حتى الليلة التي قفزت فيها على صيحة واحدة، هذه المرة من فلذة كبدها، وكان آخر ما نطقت به شريفة، التي أصبحت في حالة ذهول عما حولها قبل أن تسلم الروح بعيد أيام. قيل جنت، وقيل تلبسها جني. لكن الوحيدة التي لم تصدق موت شريفة هي أمها التي أفنت عمرها من بعد ذلك اليوم في انتظار الإجابة عن.. هل سحرها ناجي؟
فاطمة الهديدي
