أشاد الداعية الإسلامي الشيخ محمد بن علي الشنقيطي بما قدمته الإمارات لأبنائها وللمسلمين وغير المسلمين، مؤكدًا أن هذا الإحسان هو من صميم صنائع المعروف. وقال إن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله صاحب باع طويل في صناعة المعروف وأفضل ذلك ما تركه للإمارات من هذه الصروح العظيمة التي أنتجت دولة حديثة في كل شيء.

كما عاب على الغرب ماديته المفرطة والابتعاد عن فضيلة صنائع المعروف، مؤكدًا أن هذه الفضيلة هي لأمة الإسلام دون غيرها من الأمم. وتناول الشيخ الدكتور محمد بن علي الشنقيطي في محاضرته خلال الملتقى الرمضاني السابع الذي تنظمه دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي تحت شعار «غرس الإسلام» صنائع المعروف وضرورتها وآدابها ونتائجها في الدنيا والآخرة وطاف بنظرة على الواقع وعلاقتها بالغرس الإسلامي. وانطلق الدكتور الشنقيطي في محاضرته من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم «صنائع المعروف تقي مصارع السوء والصدقة تطفئ غضب الرب» وعرفها بأنها الإحسان إلى عباد الله بعمل المعروف لهم من قرض حسن أو هدية أو إعانة أو شفاعة أو تحمل دَين أو بعضه أو غير ذلك، مالاً كالصدقة أو جاهًا كالإصلاح أو علمًا كالنصيحة أو نفعًا عامًّا أو غذاء أو دواء.

وأضاف أن المعروف لا يكون إلا بثلاثة شروط وهي التعجيل به ورؤيته قليلاً صغيرًا، وستره، ولا معروف إلا ما جعله الله معروفًا، وفي الحقيقة إنه لا غرس دون صنائع المعروف ولا صنائع معروف دون غرس إسلامي يطبق روح الإسلام.

ونوه بالجمع بين الصدقة وصنائع المعروف فله دلالة كبيرة، فجيل الغرس الإسلامي لا بد أن يبذل المعروف في كل ما يقوم به ويؤمه من أعمال وأقوال، فأحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، ولئن يمشي في قضاء حاجة أخيه أفضل له من الاعتكاف، وإذا تعرف غرسنا الإسلامي على الله ووحّده وتمثل صفاته ونظر نظرة شاملة للإسلام علم أن صنائع المعروف هي روح الإسلام ومنها حسن الخلق، فقد أمر الله به بعد التحذير من الشرك بفعل الخير رابطًا الفلاح به.

وشدد على أن التأخير في صناعة المعروف تنقص أجره ولو كان كلمة طيبة، ويجب على الغرس إذا كبر في عينه المعروف أن ينظر بعينه الأخرى إلى نعم الله عليه، وتعديد المعروف يذهب بخيره. وانتقل الدكتور الشنقيطي بعد ذلك إلى ذكر فضائل صنائع المعروف والتحذير من تركه في القرآن، والسنة وأقوال الصحابة وفي التراث الشعري.

وفي حديثه عن القرآن قال إنه ما من أمر إلا وهو داخل في صناعة المعروف، ففعل الخير، وقصر الخير على الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس، والأمر بالمسارعة إلى المغفرة والإحسان، وإطعام الطعام كلها من صنائع المعروف، وكلها منارات للغرس يستلهم منها طريقه في الحياة.

وأشار إلى أن الرجال المذكورين في القرآن في صنائع المعروف ثلاثة أنواع: الأول رجل قوي يملك القوة والسلطة ومن هذا النوع ذو القرنين وكان ملكًا نبيًّا على الأرجح فقد صنع معروفًا يظل إلى قيام الساعة وهو بناء السد في وجه يأجوج ومأجوج.

والنوع الثاني لا يملك قوة ولكن يملك صوتًا ومثاله صاحبا الجنة، كان أحدهما كريمًا والآخر بخيلاً وحذره صاحبه ولكنه لم يسمع له حتى إنه لم يقل إن شاء الله، فذهب بستانه وافتقر بتركه للمعروف الذي أعلاه توحيد الله عز وجل. والنوع الثالث رجل لا يملك قوة ولا صوتًا، فليس عنده علم حتى يتكلم ولا قوة ولا نفوذ، كأصحاب الكهف وقومهم.

وذكر أن المعروف قد يكون فعلاً كما بنى الشيخ زايد يرحمه الله هذه الدولة، وقد يكون علمًا مثلما يقوم به العلماء، وقد يكون كلمة؛ فعلى كل مسلم صدقة كل يوم، فإن لم يجد ما يتصدق يعين ذا الحاجة أو يمسك عن الشر.

وأشار إلى أنواع المعروف وهي من حيث الحكم فرض كتوحيد الله ومستحب ودائرته أوسع، ومن حيث النفع قاصر على الشخص ومتعد نفعه إلى الآخرين، ومن حيث الوقت ما هو محدد وقته وزمنه كالصيام والصلاة والحج، وما هو مطلق كالصدقات والهبات والأذكار، وفي هذا مجال واسع لغرسنا الإسلامي يمكن أن يتحرك فيه ويصنع المعروف في كل يقوم به.

وذكر أن من منع فضل ماله يقول له الله فاليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمله يداك، وممن صنعوا المعروف وخلدوه الأنبياء كسيدنا إبراهيم عليه السلام الذي أسدى معروفًا إلى الدنيا وهو بناء البيت وعيد الأضحى، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو دعوة إبراهيم عليه السلام، وقد استحق خليل الرحمن بإطعام الطعام وإكرام الضيفين كما قال جبريل عليه السلام، ونجاه الله من النار بصنائع المعروف.

وكذا نجد موسى عليه السلام بدفعه الظلم وسقيه للمرأتين وكان من نتائج ذلك الزواج والأمن، ونجاته من فرعون، والعصا التي شق الله بها البحر وفجر الماء كل هذا بصنائع المعروف وعلى الجانب الآخر فرعون فأهلكته صنائع السوء، ونوح عليه السلام الذي نجا بتوحيده من الإغراق، وداود عليه السلام الذي كان كريمًا لا يأخذ على رعيه إلا القليل من المال، وصار ملكًا من رعي الغنم، ويوسف عليه السلام الذي حرص على نفعه الناس دائمًا ولم ير لنفسه حظًّا ولم يطلب على تعبيره الرؤيا أجرًا فما كان من الملك إلا أن طلب معرفة قصته وأصبح وزيرًا وحصلت به النعمة العظيمة لبني إسرائيل ونفع الله به الناس جميعًا.

وانتقل الدكتور الشنقيطي إلى مجالات صنائع المعروف فذكر أنه يشمل حياة الأفراد كلها فقد يكون بين الزوجين من المعاشرة بالمعروف بطيب المقال والإمساك والمفارقة بالمعروف، كما يكون بين المجتمع المسلم بالتعاون على المعروف. ثم تحدث عن ثمرات المعروف في الدنيا والآخرة، ومنها صرف البلاء فمن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، وأمامنا قول خديجة رضي الله عنها للرسول صلى الله عليه وسلم والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر...، وقصة أصحاب الغار الثلاثة الذين دعوا بصالح أعمالهم، ومن الثمرات أيضًا أن صنائع المعروف مغفرة للذنوب وكفارة للسيئات.

دبي ـ «البيان»