كالعادة إذا انتصف بدر رجب كبد السماء تبدأ الاستعدادات لاستقبال الشهر الكريم، فالوقت المتبقي لا يزيد على خمسة وأربعين يوما هي الفترة المتبقية على رمضان، الكل في حراك و«المنادر والدواوير» ـ مجالس كبيرة لها بناء خاص ـ تتهيأ لاستقبال الشهر الكريم وقارئ للقرآن يظل طوال الشهر يتلو كتاب الله من بعد صلاة العشاء حتى وقت السحور الذي عادة ما يكون بعد العشاء بأربع ساعات.

البحث عن قارئ للقرآن ليس أمراً يسيراً، نظراً لانقراض جيل من عظماء القراء في الصعيد، ولأن الأمر لا يخلو من الوجاهة الاجتماعية فالكل يسارع لحجز قارئ من المشاهير يجذب إليه أهل القرية والقرى المجاورة التي تتزاور خلال الشهر الكريم، لأداء الواجب.

وفي الغالب فإن هذه الزيارات الرمضانية كانت ولا تزال منتديات تطرح فيها كافة المشاكل التي تنوء بها الساحة، بعيداً عن طرحها رسمياَ في «دوار العمدة» الذي غالبا ما تموج ساحته الرمضانية بالأحاديث السياسية والاجتماعية بالإضافة إلى مشاكل الزراعة والمزارعين مع بنك التنمية ومشاكل الري ومناوباته التي تكون حديث السهرة بعد انتهاء القارئ من العشر الأول.

حيث تظل هذه الأحاديث ممتدة إلى استعاذة القارئ في مستهل العشر الأخير من كل ليلة، الذي تنتهي عنده كافة الأحاديث وتتهيأ القرية بأكملها لسماع قرآن السهرة عبر عشرات المايكروفونات التي لم تكن بإمكانيات مثيلتها الحالية من التجسيم والتردد والنقاء، حيث كان القارئ يبذل مجهوداً مضاعفا للقراءة ليكشف عن إمكانياته الصوتية وبراعته في القراءة.

القرآن معجزة باقية أبد الدهر وسحره وعظمة آياته ودقة معانيه وأحكامه تجذب إليه أفئدة الناس وتخلع عن النفوس دثار الهم والغم، والعجيب أننا نرى كثيرين من المتأثرين الذين تنخلع نفوسهم بسماعه هم من البسطاء الذين لم يكن لهم نصيب وافر من التعليم ومن ثم فهم معاني القرآن الراقية وتراكيبه وألفاظه ومحكمه ومتشابهه.

كان البعض يفسر هذا التأثر بأن الله سبحانه لم يحرم أحداَ من عطاء القرآن حتى الذي لم يؤت قسطا من التعليم، أليس نبينا صلى الله عليه وسلم وهو الذي أنزل عليه القرآن أمي، ورسولنا علم البشرية جميعاً وهؤلاء الناس يملكون نفوساً شفيفة اذا لم تستطع الوصول إلى المعنى الحقيقي فإنها تستشف جزءاً منه، ففي قوله تعالى «وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» يدرك البعض منهم أن هذه الدنيا فناء وان كل متعة فيها إلى زوال، رغم أنهم قد لا يعرفون ما هو المتاع وما هو الغرور.

الحفلات القرآنية لا تنقطع عند أهل القرى بعد رمضان، حيث يقيمها الموسرون في مختلف المناسبات ويدعى إليها الآلاف من سكان القرى المجاورة وكذلك المدن، وتقام السرادقات الكبيرة، خاصة إذا كان أحد القراء من المشاهير وفي مقدمتهم قراء عائلة المنشاوي الذين توارثوا قراءة القرآن على مقام الصدى الذي يتميز بالحزن الشديد، الذي يلامس هذه النفوس البسيطة فتهيم تأثراً بالقرآن الذي يسمو بها شيئا فشيئا ولا يلقى بها من مكان علي بل يردها إلى مكانها صافية نقية وهادئة.

ولا شك ان الوقع الموسيقي للقرآن الناشئ عن إعجاز العبارة والتراكيب القرآنية وإعجاز اللفظة داخل البنيان هو الموسيقى الهادئة التي تستأنس عندها النفوس وهي نفسها التي تخوف وتصيب بالفزع والقرآن مليء الأمثلة وكتاب عبد القادر الجرجاني «دلائل الإعجاز»، فيه الكثير عن الجرس الموسيقي للقرآن وبنيان الآية وإعجاز اللفظ والعبارة، هذا الإعجاز الموسيقي هو نفسه الذي كان سببا في دخول الكثير من العجم الإسلام رغم عدم معرفتهم بلغة القرآن أو معانيه.

محمد صلاح