شهد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في قصر سموه بمنطقة البطين في ابوظبي الليلة قبل الماضية محاضرة بعنوان «القاعدة والإرهاب من الرابح ومن الخاسر؟» ألقاها الدكتور جيل كيبل أستاذ ورئيس برنامج الدراسات الشرق أوسطية والمتوسطة في معهد الدراسات السياسية في فرنسا وذلك في إطار برنامج المحاضرات والأمسيات الفكرية التي ينظمها مجلس سموه طوال شهر رمضان المبارك وقدمت لها مريم أميري مستشار إستراتيجي للشؤون الإعلامية في أبوظبي.
أستهل المحاضر حديثه في الإشادة بدور دولة الإمارات العربية المتحدة وأثرها في المنطقة من خلال ما أبرمت من أحلاف مع دول أوروبية مشيرا إلى أن التنسيق بين دول الخليج العربية والاتحاد الأوروبي سيشكل لهما مساحة واسعة من الاستثمار والصناعة والتجارة الناجحة والتأثير الفاعل في منطقة الشرق الأوسط. وقال إن ما تمتلكه دول الخليج من نفط حقق لها مستويات متقدمة من العيش الكريم وجعل منها أكبر المحركات المالية العالمية التي تبعث على الاستقرار السياسي والاجتماعي والتعليمي وثورة التكنولوجيا الحديثة بما يخدم الأجيال المقبلة.
وأكد المحاضر أهمية ما تقوم به دولة الإمارات العربية المتحدة من إصلاحات ديمقراطية تخدم المجتمع المدني وما تتطلع إليه من امتلاك برامج للطاقة النووية السلمية بالتعاون مع بلاده فرنسا داعيا لتجنيب المنطقة أيه أعمال عسكرية وخاصة ضد إيران. وقال الدكتور كيبل أشارك في هذه المحاضرة من أجل طلب العلم وتبادل الأفكار بين أبوظبي وفرنسا وليس للتذكير بما حدث في الحادي عشر من سبتمبر بل بنتائج ما حدث من مخاطر أسهمت في حروب طائفية في العراق وتشريد وقتل مئات الآلاف من المدنيين في أفغانستان والعراق ودول أخرى ضمن عمليات نفذها طرفي الصراع (القاعدة) والولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها في الحرب على الإرهاب.
وأضاف بأن العالم شهد في السنوات السبع الماضية روايتين الأولى قامت بها القاعدة وحاولت من خلالها أن تعيد هندسة الجهاد والشهادة في سبيل الله والفوز بالجنة من خلال العمليات الانتحارية وما نتج عن ذلك من عنف دون أن تتمكن من إيجاد قاعدة جماهيرية تؤيد ما تقوم به على عكس ما حققه حزب الله من انتصار وخاصة في صيف 2006 ضد إسرائيل وما حققته حماس في الوصول إلى الحكم في غزة.
وأكد فشل (القاعدة) في تحريك العالم الإسلامي تحت شعارات الجهاد في سبيل الله والاستشهاد رغم ما قدموا من أشرطة دعائية لنشاطاتهم العسكرية وتدريباتهم في العراق وأفغانستان واستعراض قوتهم العسكرية أمام الشباب المسلم سعيا منهم في تجنيد أكبر عدد دون جدوى تذكر.
وذكر أن الرواية الأخرى قامت بها الولايات المتحدة الأميركية وعلى رأسها إدارة الرئيس جورج بوش والمحافظون الذين يعملون معه وهي تعارض رواية (القاعدة) وتستهزئ بها وتقلل من أهميتها بهدف تبرير الحرب على الإرهاب وما نتج عنه من محوري الخير والشر في المنطقة وتحويل منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة عمليات حربية أسفرت عن احتلال العراق وإحداث انقسامات طائفية بين السنة والشيعة مما قوى من الدور الإيراني في المنطقة ودون أن تتمكن الولايات المتحدة الأميركية من القضاء على الإرهاب وحماية إسرائيل ومصالحها في الوصول إلى منابع النفط العربية.
وأوضح أن الإدارة الأميركية الجديدة ستواجه تحديات ما قامت به إدارة الرئيس بوش مشيرا إلى عدم القضاء على القاعدة سواء في أفغانستان أو العراق بل تم تقوية الجانب الإيراني ليصبح لاعبا مهما في المنطقة دون أن تتوقع ذلك منه.
وأشار المحاضر إلى أن منطقة الشرق الوسط مازالت تعاني من تداعيات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومبادرات السلام لم تستثمر ومفاوضات أوسلو فشلت في إيجاد دولتين فلسطينية وإسرائيلية وأمن إسرائيل مازال مهددا والمستوطنات في توسع وفي ظل هذه الظروف مجتمعة استطاع الشعب الفلسطيني أن يعبر عن حقوقه ومطالبه من خلال انتفاضتيه الأولى والثانية.
فكان لا بد لتوجيه أنظار العالم عن هذا الصراع بما قامت به القاعدة من غزوها لكل من نيويورك وواشنطن عام 2001 محاولة من أسامة بن لادن والظواهري كسب تعاطف الجماهير والاستفادة مما يجري في فلسطين لخدمة مصالحهم «مصالح القاعدة» وخاصة عبر وسائل الإعلام العالمية فكان للولايات المتحدة الأميركية من التفكير الجاد في حماية أمن إسرائيل.
وأكد كيبل أن ما قامت به الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها من حرب في أفغانستان والعراق كان بهدف الوصول إلى منطقة الشرق الأوسط وجمعها تحت إشراف النظام الأميركي لكنها لم تنجح فيما سعت له بفضل ما خسرت في تلك الدولتين من مدخرات وجنود. وأضاف أن الإدارة الأميركية حاولت بعد العام 2001 استثمار قوتها في المنطقة وخاصة بعد انهيار سياسة القطبين في العالم والعيش في أقطاب متعددة القوى العسكرية مما أستدعى دول الاتحاد الأوروبي للتفكير الجاد في الاستفادة من إتحادها وعددها في التوجه للاستثمار في التعليم والاقتصاد والتكنولوجيا لخدمة البشرية لا تدميرها.
وقال المحاضر رغم ما حققته «القاعدة » من انتصار على القوات السوفييتية الا أنها لم تستطع أن تحقق ما تصبو إليه في مصر والجزائر والبوسنة والعراق والأردن ولم تتمكن من قلب نظام حكم واحد مما أدى إلى إعادة النظر داخل معسكر القاعدة بالتوجه لأسلوب العمليات الانتحارية فكانت اختيارهم العدو البعيد في نيويورك وواشنطن.
وذكر المحاضر بأن «القاعدة» تحاول في كل مرة التشكيك بقدرات غيرها من الحركات والأحزاب حيث سبق لها وأن أدانت ما قامت به حركة حماس من دخول المعترك السياسي ووصفت قادتها بالقادة غير الحقيقيين رغم ما لها من أنصار «القاعدة» في غزة.
وبين أن حزب الله أستطاع قلب الموازين وخاصة في صيف العام 2006 عندما تمكن من ضرب العمق الإسرائيلي ودحر القوات الإسرائيلية وإخراجها من لبنان واثبات أنها ليست القوة التي لا تقهر كما تروج لنفسها مما أسهم في سحب البساط من تحت أقدام «القاعدة» لصالح حزب الله، محذرا من مخططات القاعدة وما تهدف إليه من بناء قواعد في العراق للوصول إلى الأردن وفلسطين.
وأختتم المحاضر حديثه بأن العالم مازال يواجه مشاكل لم تحل لغاية الآن ومنها تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط بين الفلسطينيين وإسرائيل والتعامل مع إيران وما تمتلك من سلاح نووي وأن العالم أصبح يعيش ضمن أقطاب متعددة سواء في روسيا أو الصين أو أوروبا حيث لم تعد الولايات المتحدة الأميركية القطب الوحيد في العالم.
مشيرا إلى أن معظم دول العالم كانت ضد الحرب في العراق وما تقوم به القاعدة من عمليات في دول شتى ومحذرا من مخاطر حرب صراع الحضارات وانقسام العالم على أسس دينية أو عرقية حيث يوجد المسلمون في معظم دول العالم ومنهم 5 ملايين مسلم في فرنسا وحدها والظواهري يريد أن يسير العالم الإسلامي ضمن طريق واحد يرضي طموحاته ورغباته والرئيس الأميركي الجديد مدعو للتعامل مع إيران وهناك مخاوف من عنف جديد في باكستان والأمم المتحدة غير قادرة على حل مشاكل العالم وأزمة جورجيا أكبر دليل على ذلك.
الحضور
حضر المحاضرة سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية والعميد الركن الدكتور الشيخ سعيد بن محمد آل نهيان نائب المفتش العام بوزارة الداخلية والشيخ محمد بن خليفة رئيس دائرة المالية في أبوظبي وسمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس مجلس إدارة هيئة الثقافة والفنون في دبي ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي ومعالي الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة أبوظبي للسياحة والشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان وعدد من الشيوخ والوزراء وكبار المسؤولين في الدولة وجمع من سيدات المجتمع والمدعوين.
محاور المحاضرة
دارت محاور المحاضرة حول الذكرى السابعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر ما هي المكاسب والخسائر ؟ وحرب الولايات المتحدة وحلفائها على الإرهاب وإعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط وتأثير تصاعد العنف والإرهاب على أمن وأوضاع المنطقة وهل من دور لأوروبا ودول الخليج لتشجيع الاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط .
مؤلفات المحاضر
«ما هو أبعد من الإرهاب والشهادة» 2008، على حد قول القاعدة 2005، «الحرب لكسب عقول المسلمين: الإسلام والغرب» 2004، «ظهور قمر سيئ» 2003، «الله في الغرب: الحركات الإسلامية في أميركيا وأوروبا» 1997، «انتقام الرب» 1993، «التشدد الإسلامي في مصر / جذور الإسلام المتطرف».
أبوظبي ـ إبراهيم السطري


